23 تشرين1 2018
http://maysaloon.news/

فهد حجازي

إنها معركة التحرر الوطني

فهد حجازي(*)

كما في مهنة الطب, كذلك في علم السياسة, التشخيص الصحيح هو المقدمة الوحيدة للعلاج الصحيح, ويبقى للصدف هامشا بسيطاً. وهكذا فليس من منطق خارج النظرية الفلسفية أو السياسية التي تشخص الحالة الاجتماعية لشعب معين, لتبني على أساسها الوسيلة الأنجع لإخراجه من محنه في سبيل إبقائه حياً, ومن ثم تطوره. هنا تكمن العلة القاتلة في قضايانا العادلة التي لم يستطع الكثير من "الفلاسفة" و"المفكرين" العرب في وصفها, وتحديد نقاط ضعفها وقوتها, يعني تشخيصها الصحيح من أجل وضع إستراتيجية المواكبة والمجابهة. في كل مرحلة من مراحل صعود حركات تحرر وانتصارها في أمم أخرى, كنا نجد متنفساً يضخ فينا الحماس, ويدفعنا لمغادرة اليأس والانطلاق إلى النضال من أجل التغيير. إلا أن هذا التغيير الذي كنا ننشده دوماً كان يبنى على نظريات موهومة عن حالنا كشعب, أو شعوب, أو أمة, أو دول أو أوطان أو حتى مجتمعات. شيء واحد كان قلة يجدونه, ويعملون من أجله, إما عن وعي كامل أو بمقتضى الصدفة كما أوردنا, ألا وهو قضية "التحرر الوطني من الاستعمار والهيمنة". فمنذ وقوع بلادنا تحت النير العثماني ونحن نتخبط في التبعية, تارة باسم الدين, كما في السلطنة العثمانية, وطورا ،باسم الحداثة والتحرر كما في زمن التبعية للاستعمار الفرنكو-أنجلو- سكسوني. ولكن محاولة جدية للتحرر, جرت في مرحلتين قادتهما مصر, أولهما بقيادة محمد علي الكبير الذي عمل على بناء دولة قوية مستقلة اقتصاديا مركزها مصر, إلا أنه وقع في فخ الدفاع عن السلطنة العثمانية التي قاتلها, ليندفع باسم الدين لمواجهة الثورة اليونانية, كما استنزفته مخابرات بريطانيا في حربه ضد الوهابية التي أوجدتها لمهمات الزعزعة الفكرية والوطنية. وهكذا استنزفت قدرات مصر بتآمر الغرب الطامح في وراثة تركة السلطنة الهرمة دون شريك عربي! المحاولة الثانية, هي محاولة جمال عبد الناصر الذي وعى العدو الحقيقي, وصاغ أسس المواجهة مع العدو الخارجي المتمثل بالاستعمار وممثله الصهيوني, والتقافي المتمثل بالسلفية الدينية التي تنصبت له عبر تنظيم "الأخوان المسلمين" في مصر, والمد الوهابي عند أطراف طموحه العربي, في اليمن والخليج. وعى ناصر مسألة الديمقراطية وحرية الرأي, وربطهما ببعض, في ظل مواجهة الأعداء دون هوادة, وقد وقف الكثير من قوى اليسار في موقف المتفرج الحائر, أو موقف المعادي, بينما انخرط البعض في مشروع ناصر التحرري, ملغيا نفسه ونقده! وقد كان الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة البيروقراطية مقتلاً إضافياً لهذه المحاولة. وبقيت مسألة الصراع الطبقي التي تعلق بها الشيوعيون الذين همهم فرض ديكتاتورية البروليتاريا معلقة كخلاف مع ناصر, فيما كان هو يحاول بناء لبنات اشتراكية تخفف من حدة الفقر والجهل والتخلف, وتترك هامشا لما يسمى برجوازية وطنية, كل ذلك دون اللجوء إلى تقليد التجارب الصديقة في الدول الاشتراكية أو حتى الهندية, والأهم أن كل هذا كان يجري في ظل مواجهة مفتوحة مع الهيمنة الرأسمالية العالمية, وطنياً, وقومياً, وبالتحالف مع قوى المواجهة العالمية عبر منظمة "عدم الانحياز"! وعليه يمكننا الاستنتاج أن عبد الناصر, وبرغم الاستنزاف الذي شكله الصراع مع الكيان الصهيوني الذي زرعته بريطانيا ليتمم المهمة الوهابية في استمرار عدم الاستقرار وتقسيم العرب, فقد نجح في بناء دولة مواجهة مع الهيمنة الخارجية, وبنى في ظل تلك المواجهة دولة في الكثير من خصائص الاقتصاد المستقل, لكنه وبسبب فشله في بناء الجسم القوي حول نظامه, سمح للمجموعة التي مثلها السادات أن تدمر كل ما بناه عبد الناصر والعودة بمصر إلى أسفل أنواع التبعية عبر تاريخها! في سورية كان للشعارات التي طرحها النظام, وانضواء حركات المقاومة التي تقرأ الصراع بطريقة علمية صحيحة, واحسان قراءة التوازنات الدولية وصياغة تحالفات مناسبة, سمحت للنظام بالصمود أمام أقوى هجمة تتعرض لها دولة عبر التاريخ! وجدير بالذكر أن من أحد أسباب نجاح الدولة السورية في الصمود هو الانجازات الاقتصادية والصحية والتعليمية التي لامست أوسع شريحة اجتماعية وأمنت لها أماناً معاشياً ملموسا. أما عن "منظمة التحرير الفلسطينية" والطريقة لتي اتبعتها قيادتها (بكل فصائلها) في قراءة واقع الصراع في المنطقة والعالم لا تختلف في مضمونها عن القراءة الساداتية, أو على الأقل استسلام من يعارض مثل هذه السياسة لمغريات السلطة, أو الرهان على متغيرات لم يعرفوا ماهيتها. وهذه القراءة أدت إلى إظهار أن القيادة الفلسطينية كانت أسوأ أنواع القيادات المعادية لشعوبها عبر مسارات الصراع العالمي كافة! أما الأحزاب الشيوعية العربية فقد وقعت في نتائج مجهودها الفكري المبني على نظرية "صراع الطبقات" في بلاد ليس فيها طبقات بالمعنى الأورومركزي للفكرة, وعند فشل قيادتها للجماهير انبرى أكثرية قياداتها ومنظريها, إما للانزواء في انتظار اتحاد سوفييتي جديد, أو تبنت منطق "النيوليبرالية" بمحتواها الديمقراطي الغربي الذي يؤمن بوهم "الاقتصاد الحر", فالتحقت بمنظومة النهب العالمية تحت مدعى الديمقراطية وحقوق الإنسان ورفض الاستبداد, ولم تكلف نفسها عناء البحث في كون الهجمة الإمبريالية تتم تحت هذه الشعارات, لذلك تحولت هذه القيادات إلى أسوأ أنواع المنظرين المعادين لحركة التحرر الوطني والقومي العربية, وغالبية هؤلاء من الأحزاب الشيوعية, وبعض اليسار الناصري والبعثي! وبما أنه لا فراغ في الكون, فإن غياب القيادات الفكرية والنضالية اليسارية التي تنتج أفكاراً واقعية لقيادة مرحلة التحرر الوطني, أدى إلى عودة الجماهير إلى أقرب التشكيلات الاجتماعية الضامنة لأمانها أو المحققة لحمايتها الذاتية, أو المنسجمة مع بنيتها النفسية المتوارثة, فكانت العودة إلى حضن الدين والطائفة والمذهب والعشيرة والقبيلة والمنطقة! ومن الإنصاف الاعتراف أن ما مكن الإسلاميين من السيطرة السريعة على عقول الجماهير هو استخدامهم لمصطلحات لها مكانة جاهزة في عقول الناس, خصوصاً وأنها تأتي باسم الدين, ما قلص الجهد المبذول في سبيل الإقناع كثيرا, الأمر الذي يفتقده الخطاب الحزبي العلمي, الذي عليه أن يشق طريقه في مساحة صعبة للغاية تحتلها مفاهيم راسخة عبر القرون, لذلك تفترض المواجهة نوعاً استثنائياً من المفكرين والخطباء والمناضلين بين الناس, وأنواعا مبسطة من المصطلحات والنظريات, من أجل النجاح في خرق المفاهيم الجاهزة, كنا رأينا نموذجا عن هذه القيادات في شخصية المناضل الشيوعي لسوداني عبد الخالق محجوب! وعود على بدء, فإنه من المنطقي القول أن ما يصلح لمجتمع لا يمكن تطبيقه على مجتمع آخر, بل يمكن الاسترشاد بتجارب الأخرين. وإن أية نظرية لا تنطلق من دراسة الواقع الاقتصادي والمعاشي لمجتمع معين تكون نظرية مسقطة على واقع لا يخصها! وإن الخطاب المعقد البعيد عن الواقع لا يستطيع أن يلامس الإمكانيات الاستيعابية البسيطة لأوسع كتلة من الجماهير, في حين يتطلب الأمر استخدام الخطاب الجماهيري المبسط الذي لا يغرق في مصطلحات التنظير الفلسفية المعقدة. أما في تشخيص معسكر الأصدقاء والأعداء, فالمهمة تصبح في قراءة المصالح عامة, ومقارنة المستفيدين في هذا المعسكر أو ذاك, وعليه لا يصعب الاستنتاج أن مصلحة الشعوب العربية هي التحرر من التبعية والهيمنة الإمبريالية, والتخلص من الأفكار الرجعية وأنظمتها المرتبطة بالعدو الإمبريالي وتعمل كناطور لمصالحه, وتكون أداة مستمرة لديه للحفاظ على حالة التخلف الفكري والاجتماعي, وتضييع الأهداف الحقيقية للشباب العربي, وإلهائه بقضايا غيبية تفعل فعلها في تشظي مجتمعاتنا وتناحرها على أمور لا تحل لها مشاكلها المعاشية, وتصب في مصلحة المعسكر الإمبريالي. أما في مسألة التحالفات الإقليمية والعالمية للقوى المتضررة من العدوان المستمر للمركز الإمبريالي الأميركي وتوابعه وأدواته, فهذه التحالفات تجب صياغتها لتحفظ مصالح كل مكونات الحلف المقاوم للهيمنة, وكل حسب مصالحه ودون إذكاء العصبيات الإتنية والدينية والمذهبية والمناطقية التي تفشل النضال, وتمدد مفاعيل الهيمنة والتخلف! لذلك ومن أجل عدم تضييع الجهد والوقت والدماء, علينا الاعتراف بأننا لا زلنا في مرحلة التحرر الوطني, وكل النظريات الأخرى هي ترف فكري غير واقعي, إن لم نقل أنه مراهقة سياسية قاتلة, أو تضليل متعمد!

بيروت 2016.09.30

------------------

(*) د.فهد حجازي:باحث وكاتب لبناني

http://maysaloon.news/