19 نيسان 2018
http://maysaloon.news/

فهد حجازي

معركة حلب, آخر حروب القرم

فهد حجازي(*)

الحروب عادة لا تخاض لأهواء عبثية, وإنما تكون وراءها دوافع بالغة الأهمية, غالباً ما تكون اقتصادية, حتى ولو غلفت بأسباب وطنية أو إنسانية, فإنها تحمل في النهاية البعد المعاشي في صيغته العلمية (الإقتصاد)!

أما الحروب الكبرى, التي تتجاوز الحدود الوطنية إلى الإقليمية فالعالمية, فغالباً ما تحمل أجندتها تغييراً مهما في موازين القوى, وحدود الدول والأقاليم, وبالتالي حدو النفوذ والهيمنة والنهب. يعني ولادة نظام إقليمي جديد, أو نظام عالمي جديد!
يعتبر الاهتمام الروسي في الوصول إلى المياه الدافئة من أهم العقد التاريخية في السياسة الخارجية الروسية, لما له من أهمية من الناحية الاقتصادية, حيث التفتيش عن أسواق جديدة, ومصادر أخرى للمواد الأولية. ومن الناحية المعنوية كونه يؤشر إلى كون روسيا هي لاعب دولي.
كانت الإمبراطورية العثمانية من أهم العقبات أمام وصول روسيا إلى إنجاز هذا الطموح, ومنذ منتصف القرن السابع عشر, وعلى مدى 241 سنة, وقعت ستة عشر حرباً بين روسيا والسلطنة العثمانية, ساهمت مساهمة فعالة في استنزاف الإمبراطورية العثمانية وانهيارها! بدأت هذه الحروب في العام 1568, وانتهت اسمياً مع انتهاء الحرب العالمية الأولى. إلا إن عقدة الوصول الروسي الحر إلى المياه الدافئة, لم يكن ليتحقق إلا بوجود روسي قوي وفاعل في قلب المياه الدافئة, البحر الأبيض المتوسط!
من أهم الحروب الروسية العثمانية, كانت الحرب التي اندلعت سنة 1768 على إثر التمرد الذي حصل بدعم روسي في بلغاريا وصربيا والجبل الأسود, واجتياح القوات الروسية لبولندا, فاندلعت الحرب التي دامت ست سنوات, توجت بمعاهدة كوتشوك كينارجي في 21 تموز 1774, ونصت على استقلال شبه جزيرة القرم, ومنح إقليمي الأفلاق والبغدان (في رومانيا الحالية) حكما ذاتياً مع حق روسيا في المشاركة باختيار الحكام, إضافة إلى رعاية روسيا للمواطنين الأرثوذكس في السلطنة العثمانية, ما شكل خرقاً خطيراً في سيادة السلطنة على سياستها, إضافة إلى غرامة حرب مقدارها 1500 كيس ذهب تدفعها السلطنة لروسيا.
ومن أهم نتائج هذه المعاهدة: 1) بروز روسيا كلاعب دولي؛ 2) انتهاء احتكار السيطرة العثمانية على البحر الأسود؛ 3) والأهم هو ظهور المسألة الشرقية التي هي ببساطة صراع الدول الكبرى على تقاسم تركة السلطنة المريضة, والتي انتهت مع نهاية الحرب العالمية الأولى.
حرب استقلال اليونان التي اندلعت العام 1828, وتمخضت عن دخول الروس إلى القوقاز, وتوجت هذه الحرب بمعاهدة أديانوبل في 14 أيلول 1829, والتي حصل الروس بموجبها على معظم الساحل الشرقي للبحر الأسود, ومصب نهر الدانوب, إضافة إلى السيادة الروسية على جورجيا وأجزاء من أرمينيا.
كان هذا نظاماً إقليمياً جديدا, جرى الإخلال بموازينه في العام 1853 حين اندلعت حرب القرم التي ساندت فيها بريطانيا والنمسا وسردينيا وفرنسا السلطنة العثمانية, وانتهت بهزيمة الروس وتوقيع على معاهدة باريس في 30 آذار 1856 التي شكلت ضربة للنفوذ الروسي, بسبب نص المعاهدة اعتبار البحر الأسود ونهر الدانوب مناطق محايدة.
في العام 1876 اندلعت الثورة في صربيا والجبل الأسود, فأخمدتها السلطنة العثمانية بالدم والنار, ما دعى لتدخل روسيا ونشوب الحرب سنة 1877, فانسحبت تركيا من صربيا, وشاركت رومانيا إلى جانب القوات الروسية التي احتلت الأناضول ووصلت إلى مسافة 50 كلم من اسطنبول, ما دفع بالبريطانيين إلى إرسال أسطولهم إلى الموانئ العثمانية, فانتهت الحرب إلى معاهدة سان استيفانو في 3 آذار 1878, التي قلصت الوجود العثماني في أوروبا إلى أدنى مستوياته!
لم ترض معاهدة سان استيفانو الدول الأوروبية المتربصة, ما دفعها إلى الدعوة إلى تعديلها, وإعلان معاهدة برلين 1878 التي نصت على استقلال صربيا والجبل الأسود ورومانيا, ومنح بلغاريا استقلالاً مشروطا, وإبقاء مضيقي الدردنيل والبوسفور مفتوحين أمام الملاحة, ودفعت السلطنة بالمقابل 250 مليون ذهبية لروسيا كتعويضات حرب!
المسار الأهم في تهاوي الإمبراطورية العثمانية, جرى في حربي البلقان الأولى والثانية, بين 1912-1913 للسيطرة على تراقيا ومقدونيا التي كانتا لا تزالان تحت سيطرتها. كان التحالف البلغاري الصربي يضم اليونان والجبل الأسود الذي تدعمه روسيا, موجها في الأساس ضد إمبراطورية النمسا-المجر, انزلق نحو الهدف الحقيقي إلى مواجهة السلطنة العثمانية, انتهت حرب البلقان الأولى إلى مؤتمرين للسلام في لندن تخلت بموجبهما السلطنة عن معظم أراضيها الأوروبية!
لم ترض نتائج لندن بلغاريا التي قامت بضم مقدونيا, ما دفع برومانيا لإعلان الحرب على عليها وبدأت حرب البلقان الثانية, وساندت النمسا بلغاريا, وأرغمت صربيا على إعادة أراض للبلغار, ما أغضب الصرب, وكان الدافع لقيام أحد الصربيين باغتيال ولي عهد النمسا ليعطي الذريعة لنشوب الحرب العالمية الأولى. توجت حرب البلقان الثانية بمعاهدة بوخارست 1913, التي نصت على استقلال رومانيا وصربيا وقرة داغ.
كانت نهاية الحرب العالمية الأولى تشكل نظاماً عالمياً جديداً وقعت السلطنة العثمانية المهزومة ضحيته المباشرة, عبر تقزيمها في معاهدة سيفر 10 آب 1920 التي شكلت آخر مسمار في جسد السلطنة, حيث انتزعت منها كامل الأراضي التي يقطنها الناطقون بغير اللغة التركية!
كان على الروس أن ينتظروا فرصة أخرى لتحقيق حلم الوصول إلى المياه الدافئة, وخلال الفترة التي أعقبت الحرب الأولى كانت الدولة السوفييتية الفتية التي شكلت روسيا مركزها القوي, تتحضر لتشكل قوة يحسب لها حساب. وحين وقعت الحرب العالمية الثانية كان على السوفييت أن يثبتوا في الميزان الدولي الجديد, وكانت مشاركتهم حاسمة في صد النازية. وحين عقدت راية النصر وجلس الحلفاء إلى طاولة المفاوضات, كانت روسيا تبسط حمايتها على كامل أوروبا الشرقية, يعني البلقان باستثناء اليونان الذي أبقي ضمن الهيمنة الغربية, وكذلك تركيا التي ورثت السلطنة العثمانية. وهكذا بقي العائق أمام وصول الروس إلى البحار الدافئة.
بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية, أصبحت الولايات المتحدة الأميركية القوة العالمية المسيطرة بلا منازع, وصار العالم أحادي القطب, وكان على الكثير من الحدود والقوانين الدولية أن تشهد تغييراً على طريقة المحافظين الجدد الذين هيمنوا على سلطة القطب العالمي الأوحد, فكانت نظرية الفوضى الخلاقة, التي سينتج عنها الشرق الأوسط الجديد فيما يخص منطقتنا العربية.
لم يعف احتلال العراق القطب الأقوى في العالم من نتائج نظرياته الكارثية في الاقتصاد المعسكر القائم على النهب والإرهاب, فبدأت فترة الركود سنة 2008, وكان العالم يفتش عن منفذ للخروج من الهيمنة الاتحادية, فكان تململ المارد الروسي الذي وقع في الفوضى أثناء فترة يلتسين, وكانت الصين تسير بخطى واثقة ولكن بطيئة في المضمار الاقتصادي, وكانت دول أميركا اللاتينية تتملص من عبء التبعية للولايات المتحدة.
ضربت الفوضى التي سماها الأميركيون "الربيع العربي" لتخرب كل الكيانات العربية باستثناء تلك التي تشكل قواعد عسكرية ومحميات أميركية في الخليج, وذلك لإتمام ما بدأته كارثة كمب ديفيد ورفيقاتها, ولكن أخطر حلقات هذه الفوضى كانت الحرب على سورية التي بدأت سنة 2011, كون سورية بقيت آخر دولة عربية ترفض الرضوخ للهيمنة الأميركية. وكان لصمودها وحلفائها في إيران والمقاومة اللبنانية أن يبدل في نتائج الخطة الأميركية, حيث دخلت روسيا بقوتها تدريجياً لتغيير موازين القوى, وبالتالي تغيير نتائج الحرب, ومن ثم معالم النظام الإقليمي الجديد, وكان لروسيا التي حصنت نفسها بمنظومة دول "البريكس" التي تضم إليها الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا, أن تعبر بأساطيلها إلى البحر الأبيض المتوسط, قبلة السيادة الدولية, لتشارك في الحرب من أجل مستقبل العالم! المستقبل قلب المياه الدافئة, وقبلة السيادة الدولية!
كانت اندفاعة الروس وحلفائهم قوية على الأرض في سورية, وخصوصا بعد الاقتراب من معركة حلب التي ستكون مفصلية في هذه الحرب, وكانت الولايات المتحدة تجد ذرائع عديدة لإجهاض حسم المعركة, مرة عبر الادعاءات الإنسانية, وأخرى عبر إيجاد أوهام جديدة في محاربة الإرهاب, كانت أهمها الهيمنة على قرار تحرير الموصل من الإرهاب التكفيري, والهدف المتوخى من الخطة الأميركية تجميع مقاتلي داعش في الشمال الشرقي السوري, ومحاولة تأجيل الحسم في حلب, وإطالة أمد الحرب التخريبية في سورية, وإيجاد منطقة مانعة للتواصل بين سورية وإيران عبر الحدود العراقية السورية التي يريد الأميركيون إبقاءها في عهدة داعش.
تبقى معركة حلب هي الفيصل في تحرير مدن سورية الكبرى, ومن ثم التفرغ للقضاء على النفوذ الأميركي الإسرائيلي عبر أدواته التكفيرية في الشمال الشرقي السوري, وبها يكون الحلم الروسي التاريخي في الوصول الحر إلى المياه الدافئة قد تحقق!

بيروت 2016.10.21

-------------------

(*)د.فهد حجازي كاتب وباحث لبناني.

http://maysaloon.news/