16 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

فهد حجازي

المسألة الكردية،عود على بدء

فهد حجازي(*)

ليس مهماً الاستغراق في التاريخ للتفتيش عن أصل الكرد، وعن بداية تواجدهم في المنطقة، إذ من المؤكد أنهم من المكونات التي ساهمت بفعالية في تاريخ منطقتنا، وقدموا قادة عظام وشخصيات كبيرة شاركت في تاريخ العرب والترك والفرس.

ومن المهم ذكره أن لكورد، وبرغم نفي البعض لفكرة كونهم يشكلون أمة ناجزة، فهم يشكلون، ومنذ فترة طويلة، غالبية سكانية شبه متجانسة، ويتكلمون لغة بلهجات مختلفة، شأنهم شأن الكثير من الأمم، ويقطنون فوق جغرافيا متواصلة، تؤمن لهم اكتفاءً معاشياً زراعياً إلى حد ما. وبرغم ذلك لم يفلحوا في تشكيل دولة فاعلة عبر التاريخ، وإن كان بعض مؤرخيهم ينسبون للكرد تأسيس ممالك أسست وعاشت ثم تم تدميرها، عبر إحدى القوى الفاعلة، ومن هذه الممالك التي يوردونها: المملكة الهزوانية؛ وسوران؛ والبدليسية؛ والاردلانية؛ وبابان، وغيرها، مما لا يسجلها غيرهم من المؤرخين المحايدين. إلا أن الحقيقة أن القاضي محمد الخياباني أعلن في 1946، تأسيس "جمهورية مهاباد" بدعم من الاتحاد السوفييتي، ودامت حوالي تسعة أشهر، حيث تم القضاء عليها على يد شاه إيران محمد رضا بهلوي بدعم من بريطانيا.

وقد ارتكب القادة الكرد أخطاء كبيرة في تجاربهم السياسية، ليس أقلها التدخل في النزاعات الإقليمية، واللعب على تناقضات الدول التي تتقاسم وطنهم. والمعروف أن الملا مصطفى البرازاني قاد تمرداً طويلاً للانفصال بإقليم كردستان العراق، بدعم تركي تارة، وإيراني طوراً، وإسرائيلي دائماً. وبالرغم من أن الكرد قد حصلوا على إدارة ذاتية في شمال العراق منذ العام 1970، دون غيرها من الأقاليم التي يشكل في الكرد غالبية سكانية، في إيران وتركيا، فقد أكمل مسعود البرزاني نهج أبيه في التعامل مع الكيان الصهيوني بشكل فاضح، كما ساهم مع الأميركي في غزو العراق، وشكل استنزافاً كبيراً لمقدرات الدولة التي يشكل مكوناً فدرالياً فيها، عبر احتكاره عائدات النفط لنفسه وتصديره عبر تركيا التي لا تعترف أصلاً بشعب كردي، وتخوض ضده حرب إبادة دموية! واستمر البرزاني في التآمر على الدولة الفدرالية التي يتبع لها الإقليم الذي يترأسه هو، فيما تترأس الدولة شخصية كردية، وكان وزير خارجيتها كردياً، في وقت يحلم الكرد بالحصول على حقوق ثقافية ممنوعة في تركيا التي تضم العدد الأكبر من الكرد، والجغرافيا الأوسع لهم!

اليوم لماذا الانفصال الكردي عن العراق بشكل رئيسي، وعن سورية ثانياً؟

معلوم أن الكيانات وحدود الدول تقررها عادة الأطراف المنتصرة في حروب عالمية أو إقليمية، تؤسس لنظام عالمي جديد، أو إقليمي جديد, عل نسق "اتفاقية سايكس- بيكو" بين فرنسا وبريطانيا، التي رسمت حدود الكيانات في الشرق الأوسط والبلقان لمرحلة ما بعد الحرب الكونية الأولى التي أنهت الإمبراطورية العثمانية، تلك الحدود التي تحركت بعد الحرب العالمية لثانية، بما يناسب القوى الجديدة المنتصرة التي انظم إليها الاتحاد السوفييتي وأميركا. وفي المرحلتين لم تلحظ القوى المنتصرة كياناً للكرد، بينما قسمت أمماً إلى كيانات، كالعرب، ووزعت غيرها بين الكيانات لإيجاد ذرائع للتدخل في المستقبل، كالكرد على سبيل المثال.

اليوم، وبعد الهزيمة التي منيت بها منظمة "داعش" الإرهابية، المدعومة من حلف الناتو و"إسرائيل" وتركيا، كان على منظومة النهب الرأسمالي أن تجد شاغلاً آخر، يمدد سيطرتها على مناطق النفط والغاز، وعلى خطوط إمدادهما، خصوصاً في ظل المتغيرات التي تقودها روسيا وحلفاؤها في المنطقة والعالم. ومع بروز المخاوف من التحاق تركيا بحلف المنتصرين، ومشهد تسلمها لصواريخ س 400 إستراتيجية من روسيا، ومشاركتها في الخطة الروسية لتبريد الجبهات في سورية، كان على الأميركي وحلفاؤه أن يجد شاغلاً وظيفياً آخر، يعزز دوامة عدم الاستقرار والحروب، على حدود دول إستراتيجية مهمة، كإيران وتركيا والعراق وسورية، فكان البيدق الكردي جاهزاً للقيام بمهمة الناطور عند حدود هذه الدول لصالح المركز العالمي للنهب والهيمنة، وليشكل إضافة إلى الناطور الإسرائيلي عامل فصل وتأجيج استراتيجي في جبهة الشرق الأوسط، تصل تداعياته إلى روسيا والصين.

اليوم، وصل التحدي إلى العنق التركي والإيراني والروسي، ومهما يكن من أمر تفهم الروس التاريخي للمسألة الكردية، إلا أن المصالح والاستراتيجيا تستدعي التعامل بطريقة مغايرة للعواطف ومبدأ الحقوق التاريخية، لأن الخطوة البرزانية لم تأت في خضم نضال تحرري كردي، كان يجب أن يشمل كل الأقاليم الكردية، ويحضى بدعم حركة التحرر العربية، ويشاركها في نضالها التحرري من قوى النهب، خصوصاً في سورية والعراق، وفي تحالف واسع مع الدول المناهضة للهيمنة من إيران حتى روسيا وأميركا اللاتينية، بغية إضعاف براثن سيطرة الأميركي وأدواته، وإلا فإن حركة البرزاني سوف تتسبب بمجزرة تاريخية، أو في أفضل الأحوال، ستكون زوبعة في فنجان!

بيروت/ 2017.09.26

--------------------

(*) د.فهد حجازي: كاتب وباحث لبناني.

http://maysaloon.news/