16 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

فهد حجازي

نهاية داعش، عود على بدء

فهد حجازي(*)

على إثر اضطرار الجيش الأميركي لمغادرة العراق العام تحت ضربات المقاومة سنة 2011، وجهت ضربة قوية للمخطط الأميركي في استكمال السيطرة المباشرة على النفط الخليجي، والذي لأجله احتل العراق سنة 2003. مضافاً إلى تلك المهمة، قطع الطريق على أية إمكانية للتمدد الروسي عبر أنابيب النفط والغاز، عبر بحر قزوين، وكذلك قطع إمكانية تكامل العلاقة بين إيران وسواها من مكونات المنطقة العربية.

كان هذا التطور الدراماتيكي للولايات المتحدة وحلفائها، يمثل لقيا أعجوبية لدول المنطقة المهمة، عبر طموحات الاستقرار الذي افتقده المشرق منذ أمد طويل، يتظافر مع الطموح بالتكامل الاقتصادي التبادلي بين هذه الدول، والذي راج التعبير عنه يومها بعملية "التشبيك" (تكامل)، بين سورية والعراق وتركيا وإيران، وطبعاً كان ليطال لبنان والأردن وربما يمتد إلى المملكة السعودية ومشيخات الخليج، ويتجاوز حدود المنطقة وصولاً إلى روسيا والصين.

بالطبع لم يكن حديث التكامل "التشبيك" حلماً غير واقعي، وكان العمل يجري حثيثاً على تحقيق هذا الطموح، وفي هذا السياق قدمت سورية تسهيلات كبيرة لتركيا، وعلى حساب الاقتصاد السوري، من أجل تشجيعها على الانخراط في هذا المشروع الخلاق. إلا أن استشعار الخطر من قبل الولايات المتحدة والكيانات التابعة لها، ولا سيما "إسرائيل"، دفع الدوائر الأميركية إلى تبني خطة مقابلة تقوض هذه الإمكانية، عبر إغراق منطقة الشرق الأوسط بالفوض التي قد تؤدي إلى خلق "شرق أوسط جديد" طالما نظَّر السياسيون الأميركيون له، من أجل إحكام السيطرة، هذه المرة عبر ما سمي بـ"الربيع العربي"!

ضمن هذا المخطط، كان على تركيا أن تخسر الكثير من المزايا التي قدمت لها ضمن مشروع التكامل "التشبيك"، إلا أن نجاح الجدي القطري باللعب بعقل التيس التركي، عبر فكرة سيطرة الأخوان المسلمين برعاية الولايات المتحدة، على الأنظمة السياسية في المنطقة بقيادة تركيا الأخوانية، وقد دغدغت هذه الفكرة أحلام رجب طيب أردوغان في تزعم سلطنة عثمانية جديدة، وكانت باكورة أعماله، المساهمة في إغراق ليبيا في الدماء والدمار والفوضى، وكانت مصر على موعد مع مصادرة الأخوان لتحرك الجماهير المصرية التي نجحت في إسقاط حسني مبارك، وجيء بالأخواني محمد مرسي. أما تونس فكانت تفصيلاً في المشروع، يستهدف بالأساس أمن الجزائر.

أما في سورية، فلم تكن التحركات على الأرض كافية لإحداث التغيير المطلوب أميركياً، فقد شكلت مقاومة الدولة لهذا المخطط، دافعاً للأميركي لإشعال الحرب بالوكالة، فكان أن زُجَّ بمئات الآلاف من المقاتلين التكفيريين من جميع أنحاء العالم، بتمويل سعودي قطري، وتسهيلات لوجستية تركية غير مسبوقة، وجرت في سياق هذه الحرب تدمير البنية التحتية الضخمة التي عملت الدولة السورية عليها عشرات السنين، كما جرت سرقة وإحراق آلاف المصانع والمزارع التي كانت تؤمن احتياجات سورية مع فائض يجري تصديره كذلك، وكانت تركيا هي المستفيد الأكبر من هذا الدمار الهائل!

لم تكن تطورات الميدان لترضي طموحات روسيا الخارجة من الركود الذي تمرغت به في عصر التبعية التي شرعها بوريس يلتسين، خصوصاً في ما يخص إمدادات النفط والغاز التي كانت تلقى فيه منافسة شرسة، حيث أُخرجت كييف من دائرة تأثيرها، وبذلك فقدت مردودات أنبوب النفط الذي يغذي أوروبا عبر أوكرانيا، إضافة إلى التهديد الجدي الذي ينتظر خطوط السيل الأزرق والسيل الجنوبي. ما حتم على روسيا الانخراط المباشر في الحرب العالمية التي يتأجج أوارها على الجغراقيا السورية، وكانت إيران قد سبقتها، لأسباب مشتركة، إضافة إلى التحاق المقاومة اللبنانية المباشر، وبعض الحركات الفلسطينية، في الدفاع عن الدولة السورية التي شكلت الحاضن الأساسي لحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية.

وفي العودة لتطورات الحدث في العراق، وجدت الولايات المتحدة ضالتها من أجل العودة لاحتلال العراق، فكانت الخطة أن توعز السعودية لعملائها في العراق بتسليم مناطق واسعة من البلاد إلى الحركات التكفيرية، وأخضع العراق إلى أضخم عملية قتل وتدمير على يد هذه الجماعات، ما دفع بالشعب العراقي أن يخرج مجتمعاً إلى هذه الحرب الوجودية، مضافاً إليها خطر التقسيم الذي ساهم فيه الزعيم الكردي مسعود البرزاني. وتحت ذريعة محاربة الإرهاب، عاد الجنود الأميركيون بكثافة إلى العراق، وعادت السفارة الأميركية لتتدخل في تفاصيل السياسة العراقية!

اليوم، ومع اندحار داعش في كل من سورية والعراق، تعود المنطقة إلى إعادة طرح السؤال من حيث انقطع: هل هناك إمكانية لإعادة إحياء خطة التكامل "التشبيك"؟

في الواقع أصبح الأمر متاحاً بشكل أفضل، بعدما خسرت تركيا رهاناتها القاتلة، لتعود وتجني الفوائد من كونها مكوناً أساسياً واستراتيجياً في المنطقة. كذلك روسيا التي دفعت الغالي من أجل نصرة حليفها الحقيقي في سورية، التي تؤمن لها حضوراً عزيزاً في منطقة حرمت عليها تاريخياً، ناهيك عن عوائد نقل واستخراج الغاز والبترول، إلى غيرها من التبادلات. أما عن إيران، فحدث ولا حرج، وهي التي دفعت كل قواها لمناصرة حلفائها. أما العراق فيبقى عليه أن يعيد المقاومة ليتخلص من الوجود الأميركي السياسي والعسكري، ويعيد التواصل الحر من لبنان إلى سورية وتركيا وإيران وصولاً إلى روسيا والصين.

هذا عن الشرق، أما في الأرجاء الأخرى فيبقى على عامل الزمن أن يفتي في ما تتجه إليه بوصلة مصر التي عليها التفتيش عن مصالحها الاستراتيجية بخيار مستقل عن التبعية التي فرضتها عليها اتفاقية كمب ديفيد. وبانتظار ما سوف تؤدي إليه الحرب العدوانية السعودية على اليمن، والفوضى الليبية، لتعيد الجغرافيا إلى التواصل الحقيقي بين مكونات المنطقة التي أرهقتها الهيمنة الرأسمالية العالمية، مباشرة أو عبر نواطيرها المحليين، وفرضت عليه سياسة التبعية سداً في وجه التطور، شكلته الوهابية وأفكار الأخوان المسلمين!

بيروت/ 2017.11.22

---------------------

(*) د.فهد حجازي: كاتب، وباحث لبناني.

http://maysaloon.news/