22 تشرين2 2019
http://maysaloon.news/

فهد حجازي

حول حركة ١٧ تشرين اول في لبنان

فهد حجازي(*)

في الآونة الأخيرة، تركَّز النشاط الأميركي والسعودي في لبنان على تركيع البلد، والمستهدف هو سلاح المقاومة، خصوصًا وأن تيار رئيس الجمهورية يلتزم بورقةٍ اتفاقيةٍ مع حزب الله، أدَّت إلى استقرار الأوضاع السياسية في لبنان لمرحلةٍ معينة. أثارت هذه الاتفاقية الكثير من الغضب لدى الأفرقاء، الذين يستهدفون المقاومة لإضعافها، في لبنان والإقليم والعالم، والهمُّ الأمريكي محصورٌ هنا بمصلحة الكيان الصهيوني من جهة، وبتجاوز القوة العسكرية للمقاومة الحدود لتشارك في تحرير الإقليم من الهيمنة الأميركية وتفريخاتها الإرهابية من جهةٍ أخرى. وهنا تكمن أهمية النظرة إلى ما يسمى اليوم "الانتفاضة" أو "الثورة"، وهي استغلال أزمة الجمهور، لتحقيق مآرب عكس مصلحة هذا الجمهور.

شدَّد الأمريكي ضغوطه المالية والاقتصادية على لبنان في الآونة الأخيرة، وتضافر ذلك مع موجة طرد العمال اللبنانيين من الخليج، والتضييق على اللبنانيين في أنحاء العالم، وخصوصًا فيما يختصُّ بالتحويلات المالية للمغتربين التي كانت تشكِّل أهميةً كبرى في معاش الناس. وأُضيفَ إلى هذا التضييق عملية رقابةٍ شديدةٍ على التحويلات المالية عمومًا، وتشديد الرقابة المصرفية على كل مَن يعتقدونه من جمهور المقاومة، وإغلاق عدِّة مصارف ومعاقبة غيرها. وتجاوز الأمر وصولًا إلى ضرب استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية، وصعوبة إيجاد الدولار في السوق.

يترافق كل ذلك مع المطالبة بتسليم سلاح المقاومة، وخروج المقاومة من سوريا، خصوصًا بعد الانتصارات التي حققتها سوريا على أرضها، ونجاح حلف المقاومة امتدادًا إلى روسيا والصين في محاولة صياغة نظامٍ اقتصاديٍّ وماليٍّ يهدِّد مصالح أمريكا، التي يتهدَّد نفوذها في الإقليم.

توضيحًا لتقسيم القوى السياسية في لبنان، هناك طرفي نزاع في الحكم، أحدهما التيار (الوطني الحر) رئيس الجمهورية ميشال عون وحزب الله، ومعهما بطريقةٍ متفاوتةٍ حركة (أمل) رئيس مجلس النواب نبيه بري وتيار (المردة) سليمان فرنجية وتنظيم (الشعبي الناصري) أسامة سعد والحزب السوري القومي وحزب البعث؛ وفي الجهة المقابلة تقع تيار (المستقبل) رئيس الحكومة سعد الحريري وأحزاب سمير جعجع (القوات) ووليد بك جنبلاط (التقدمي الاشتراكي) وسامي الجميِّل (كتائب)، برعاية السفارتين الأميركية والسعودية.

من المهم الإشارة إلى توجُّه وزير الخارجية من تيار عون، الذي طالب بإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، وأعلن نيَّته الذهاب الى سوريا لحل مسألة النازحين السوريين، الذين تتمسَّك بهم أمريكا للضغط على الدولة السورية باعتبارهم "معارضين"، الأمر الذي لم يبدِ رئيس الحكومة سعد الحريري اعتراضه عليه، خصوصًا وأن في الأفق مشاركة لبنان في إعادة إعمار سوريا، وما يشكِّله من مصدر دعمٍ للاقتصاد اللبناني يسيل له لعاب الكثير من المتموِّلين اللبنانيين؛ ومن هنا يُفهم غضب جنبلاط الذي لم يُفلح في تسويق الإسمنت الذي تنتجه شركته في معمل سبلين. أضفْ إلى ما تقدَّم بعض المؤشرات عن التوجِّه إلى الصين وإيران لحل أزمة النفط والكهرباء، ما يغضب الأميركي والسعودي وحلفاءهما المستفيدين كذلك من تجارة النفط والغاز.

عليه، وفي محاولةٍ لإيجاد مخرجٍ من الأزمة الاقتصادية، وإرضاءً لصندوق النقد الدولي والدول التي وعدت لبنان بقرضٍ ماليٍّ يبلغ أحد عشر مليار دولار تحت مسمَّى "سيدر" المقترن بشروطٍ اقتصاديةٍ صعبةٍ، تحاول الحكومة اللبنانية فرض ضرائبَ وإجراءاتٍ قاسيةٍ، كان آخرها زيادة الضريبة على البنزين وخدمات الواتساب، ما فجَّر غضب الجماهير وخصوصًا عنصر الشباب الذي نزل بعضهم إلى الشارع، تحت تغطيةٍ وتوجيهٍ إعلاميٍّ منظمٍ، خاصةً من قناة الجديد المدعومة من قطر والسعودية، والتي لحقت بها وسائلُ إعلاميةٌ أخرى محسوبةُ على الموالين لأمريكا والسعودية، إضافةً إلى نشاطٍ غير مسبوقٍ لموظفي الأنجزة (NGO’s) (سوف تكتشف لاحقاً كمِّية الأموال المدفوعة في هذا السبيل!).

اللافت أن الشعارات المرفوعة في هذه التظاهرات، أغلبها يستهدف رئيس الجمهورية، وذلك بسبب تنسيقه مع حزب الله، وتوجُّهه نحو سوريا، وكان هذا الاستهداف قد بدأ مع تحركات جنبلاط ضد تيار عون، والذي نتج عنه محاولةُ اغتيال وزيرٍ تابعٍ لطلال إرسلان المؤيِّد لعون، ومؤخرًا تظاهرة الحزب الجنبلاطي التي استهدفت رئيس الجمهورية بالشخص.

اليوم، يحاول جنبلاط الاستقالة من الحكومة، وما يؤخِّره تخوُّفه من الإجراءات التي قد تُتخذ في غيابه إذا بقيت الحكومة مستمرة. الطرف الآخر الذي هدَّد بالاستقالة ونفَّذها هو جعجع، الذي يريد الذهاب في محاولة اسقاط الحكومة والعهد إلى النهاية.

تنبغي الإشارة إلى أن رئيس الحكومة الحريري يقف على مفترقٍ محيِّرٍ، إذ أنه يريد البقاء في الحكم، وهذا ما يشترط العلاقة مع عون وحزب الله، ويثير غضب السعوديين في المقابل. أما محفِّزه الآخر للبقاء، فهو محاولة الاستفادة من مشروع إعمار سوريا، ما دفعه للموافقة ضمنًا على زيارة باسيل الى سوريا، الأمر الذي جعل خيار إسقاطه عمليةً ملحَّةً من قبل المعسكر السعودي الأميركي.

ميدانيًا، كل قوةٍ سياسيةٍ تحشد جماعتها في ساحةٍ معينةٍ، والضغط الأكبر يتكثَّف في وسط العاصمة، وأعداد المتظاهرين تتزايد، خصوصًا بعد كلمة السيد نصرالله، الذي لم يطلبْ من الجماهير الخروج من الشارع، بل البقاء للضغط على الحكومة من أجل عدم فرض ضرائبَ على الشعب، واشتراط سلمية التظاهرات وعدم التخريب والتجريح. فماذا في الافق؟

قد تستمر الأمور فترةً طويلةً، ولكنها بغير أفق، إذ جرى التراجع عن الضرائب، وبقيت إمكانية إسقاط العهد غير ممكنةٍ بسبب الدعم غير المحدود من قبل المقاومة. أما إجراء تغييرٍ حكوميٍّ وانتخاباتٍ مبكرةٍ، فهي في غاية الصعوبة، وقد تناولها السيد نصرالله في خطابه. وأما إسقاط النظام، فهي زغردةٌ تداعب أحلام الشباب، ليس لها أي مؤشرٍ في كيانٍ صغيرٍ ليس فيه ما يؤمِّن شروط الدولة التي تكفي مواطنيها شظف الحياة.

أما تجاوز الأزمة فعليًّا، فيشترِط الالتحاق بتشبيكٍ اقتصاديٍّ مع الإقليم، وهو ما يعوِّض القصور الجغرافي والثرواتي للكيان اللبناني. تبقى الإشارة إلى أن أيَّ تجاوزٍ نحو انفلات الأمن، هو أمرٌ يتواجه مع قوة المقاومة التي لن تقبل به، وقد تضطر حينها إلى التدخُّل لإعادة الأمور إلى نصابها!

2019.10.22

http://maysaloon.news/