22 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

كريبسو ديالو

الولايات المتحدة وأزمة الكونغو1961

كريبسو ديالو(*)

عندما لم يعد باستطاعة الاحتلال البلجيكي - بالقمع تارة والإصلاحات تارة أخرى - إخماد حركة التحرير الكونغولية، اضطر الاستعمار لقبول قرار الاستقلال في 30 يونيه 1960.ولجأ بعد ذلك إلى إستراتيجية استعمارية جديدة هدفت إلى توجيه هجومه باتجاهين:

الأول: إفشال الحكومة الجديدة عن طريق تمزيق "القوي العاملة" وسحب الإداريين والتقنيين البلجيكيين.

الثاني: انتزاع إقليم "كاتانجا" الغني بالمعادن من الكونغو وتحويله إلى دويلة منفصلة مدعومة بالأسلحة والأموال البلجيكية، وربطها مع النظم الاستعمارية التي كانت متبقية في أفريقيا. فقد كان المرتزق المحلي "لبلجيكا" في إقليم "مويس تشومبي" وهو احد أبناء الإقطاعيين المحليين في الكونغو والمدعوم من قوى متطرفة وعنصرية في جنوب - غرب الولايات المتحدة الأمريكية (أعضاء مجلس الشيوخ أمثال: روسل - ثورموند- هربرت هوفر - تشارلز ديركنز- باري جولدووتر) من أهم الأدوات لفصل إقليم "كاتانجا" عن الكونغو عبر إطلاقه حملات هسترية لتأييد فصل الإقليم .

وعند هذه النقطة ظهر نقيض الاستعمار البلجيكي في جمهورية الكونغو المستقلة وهي الخارجية الأمريكية والتي كانت معنية بإخضاع الشركاء / المنافسين لها في أفريقيا إلا أنها كانت في المقام الأول ترغب بسحق حركة التحرر الوطني "الكونغولية". لذلك كانت مستفيدة من التدخل البلجيكي الهادف إلى إصابة الحكومة المركزية للجمهورية الجديدة بالشلل. والذي استهدف في إقليم "كاتانجا" قمع الحزب التقدمي "كارتل بالوباكات" بزعامة "جاسون سيندوي" المناوئ لحزب "تشومبي" فضرب هذا الحزب كان أمرا ضروريا للولايات المتحدة الأمريكية فهو الذي يتزعم قبائل "بالوبا" والتي تمثل 6 ٪‏ من سكان الإقليم وتقطن في ثلث أراضيه ، حيث مناجم الماس الثمين التي كانت تجهز عليها الشركات الاحتكارية الأمريكية.

ففي المرحلة الأولى ( يوليه 1960 إلى فبراير 1961 ) كان الهجوم المضاد للإمبريالية الأمريكية يسعى في الداخل الكونغولي إلى تفتيت الحركة الوطنية و قمعها، وتصفية زعمائها . كذلك عزلها عن حلفائها العالميين.فخلف الستار كان للولايات المتحدة يد مباشرة في حملة "موبوتو" و "ادولاو كازافوبو" لعزل "باتريس لومومبا" واعتقاله ومنعه من الاتصال بشعبه وبالعالم. ثم تسليمه مع "موريس مبولو" الوزير السابق للشباب، و "جوزيف اوكيتو" نائب رئيس مجلس الشيوخ ، إلى "تشومبي ومونونجو - وكيمبي- وموتاكا" ليقتلوا على أيدي أعداء الكونغو الحقيقيين تحت مرمى ومسمع قوات الأمم المتحدة.

وقد استطاعت الحركة الانفصالية الكاتانجية التي لم تكن تستند إلى جيشها المكون من 8 آلاف فرد بقدر ما كانت تعتمد على مائتي ضابط أجنبي أشهرهم المرتزق الفرنسي " بوب دينار" وفضلا عن طائرة كاتانجية وحيدة - نفاثة من نوع "فوجاميسنر"- سيطرت على الأجواء وحققت الفرق الهام، في منع قوات الأمم المتحدة من أن تعيد سريعا دمج الإقليم بالكونغو.

وكان من الأمور ذات الدلالة، أن مثل هذا القدر الصغير من القوات العسكرية والمعدات الحديثة قد منع الأمم المتحدة من إرغام الجنود النظاميين البلجيكيين و المرتزقة علي الانسحاب. وفي هذا السياق كان من المفهوم لماذا اتهم الممثلون الأفارقة والاشتراكيون في الأمم المتحدة الأمين العام "داج همرشولد" بالتقاعس بعد الانتصارات الأولى لأمم المتحدة، باسترضاء الاستعمار. فمثلا في وسط القتال بداية سبتمبر 1961 رفض البريطانيون السماح للطائرات الأثيوبية إعادة التزود بالوقود في أوغندا، وهو ما طالبت به الأمم المتحدة.

وفي المرحلة الثانية (فبراير 1961 الى يوليه 1964) أرادت الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق مع المرتزق "تشومبي" بعد أن تم اغتيال "لومومبا" وأن يعاد دمج إقليم "كاتانجا" بالكونغو من جديد. فالإدارة الأمريكية كانت معنية في الأساس بتأمين التناسق بين حلفائها و المستثمرين الأمريكان وعندما لم يبد "تشومبي" حتى يوليه 1962 ، أي اتجاه نحو إدماج الإقليم مع الحكومة المركزية مارست الإدارة الأمريكية نوع من القهر الاقتصادي ودعت لحملة دولية لمقاطعة استيراد خامي النحاس و الكوبالت اللذين تنتجهما شركة "ينيون مينيير" البلجيكية التي كانت تتعامل مع الحكومة الانفصالية. وإغلاق خطوط السكك الحديدة الممتدة من كاتانجا إلى روديسيا. ولكن هذه التدابير لم تجد نفعا مع فقدان الحكومة المركزية التابعة للبيت الأبيض لنفوذها بين الكونغوليين لان في تلك الفترة ظهرت بعض القوي الثورية التي بدأت بالتمرد علي الوجود الأمريكي والبلجيكي وتنادي بإرجاع الإقليم المنفصل بالقوة العسكرية .ولهذا قررت وزارة الخارجية الأمريكية في 11 ديسمبر 1962 لخوفها من ان تكتسب حكومة "ليوبولدفيلد " طابعا راديكاليا اتخاذ القوة من اجل التخلص من الحركة الانفصالية وأعلنت في 20 ديسمبر إرسال بعثة عسكرية إلى الإقليم بقيادة الجنرال "لويس ترومان" وعلي الرغم من أن هذه الخطوة قد شجبت من جانب السفير السوفيتي "زورين" بوصفها إجراءا تحكميا من جانب واحد، فقد نجحت واشنطون في استغلال موقعها في الأمم المتحدة , لتصور للعالم أن لها الفضل في إحباط حركة الانفصال التي كانت تدعمها في البدايات ضد برنامج لومومبا الوحدوي الذي نادى بالاستقلال السياسي و الاقتصادي. ولكن عند تدخلها في الكونغو واجهت هذه المرة مجموعة ثورية تحت اسم "سيمبا" ذلك الاسم الذي يعني بالسواحلي "الأسد" هؤلاء كانوا أنصار فكر لومومبا وقد عقدوا العزم على مواصلة النضال ضد الاستعمار و وكلاءه المحليين "تشومبي - كازافوبو" .

ففي يناير عام 1964 اندلع الحراك الثوري المسلح لسيمبا بقيادة "بيري موليل" و"غاستون ساموليت" و"كريستوف جيبيني" وأصبح فصيل سيمبا الثوري بقيادة موليل ورفاقه الذين تدربوا على تقنيات الحرب الشعبية في الصين متحكمة بإقليم كويلو ولكن ليس بدافع الانفصال ولكنهم هم اتخذوا من الإقليم نقطة انطلاق وشرارة للثورة .و التي أصبحت معروفة باسم تمرد كويلو الذين أعلن تبنيه للفكر الماوي و قد كانت الصين وكوبا تدعمان هذا التمرد .

وفي نهاية عام 1964 كان التمرد ذو تأثير فاعل على النظام الكونغولي فشكلت القوات المتمردة حكومة بديلة واستعدت للقضاء على السلطة الكونغولية الموالية للبيت الأبيض الذي قام بالرد بحملة عسكرية مضادة يقودها مرتزقة محليين وقوات مظليه أمريكية استطاعت القضاء على الحركة الثورية ففر موليل إلى المنفى في "الكونغو برازافيل".و عقدت واشنطن وبروكسل صفقة يقوم بمقتضاها رئيس الكونغو "كازافوبو" بتعيين "تشومبي" المغضوب عليه رئيس للوزراء مكان "ادولا" الذي عجز عن التغلب على "الاستياء الاقتصادي" وعلى المعارضة للحكومة المركزية. وأما اختيارهم لتشومبي في هذا الوقت جاء تخوفا من أن تقوم حركة ثورية جديدة بعد تخلصهم من "سيمبا" فتطيح بكل مكتسباتهم ، فكان لابد من أن يتخندق الاستعمار ووكلاؤه في مكان واحد. فكان ذلك بداية المرحلة الثالثة للهجوم المضاد الذي تقوده الولايات المتحدة بعد انسحاب الأمم المتحدة في يونيه 64 .

ولهذا كان التدخل الأمريكي - البلجيكي - البريطاني، المستند جوهريا إلى اعتبارات عسكرية، لتمكين قوات "الميجور مايك هواري" الكونغولية بقيادة المرتزقة الأوروبيين من الاستيلاء علي ستانلي فيل، كان يشكل هجوما فاضحا بحيث كان بحاجة إلى مبرر له ذا طابع إنساني فتم الحديث إنقاذ رهائن بيض. وقد فضح ذلك زعماء أفارقة من أمثال "كوامي نكروما" و "جومو كينياتا" الذي قام بدور مباشر في المفاوضات في "ستانلي فيل". وأيضا في الولايات المتحدة طلب "مالكوم اكس" و 7 من الزعماء السود البارزين في مسيرة تدين التدخل الأمريكي في الكونغو وتغير السياسة المناهضة لأفريقيا التي يمارسها البيت الأبيض.

وفور عدوان 24 نوفمبر الذي قامت به دول حلف الاطلنطي، كان من المتوقع حدوث أزمة سياسية في الأمم المتحدة نتيجة لإصرار الولايات المتحدة علي أن البلاد التي لم تساعد في تمويل عملية غزو الكونغو (التي وصلت تكاليفها إلى أكثر من الموازنة العادية في الأمم المتحدة آنذاك ، التي كانت تقدر 100 مليون دولار سنويا) لابد أن تفقد صوتها في الجمعية العامة وقد رفض الاتحاد السوفيتي وعدة بلاد أخرى الاشتراك في هذه التكاليف، ومن ثم رفضت ضمنا التغاضي عن الإجراء الذي اتخذ ضد الكونغوليين وبسبب تصلب موقف واشنطون أرغمت الجمعية العامة علي التأجيل حتى خريف 1965.

وطوال عام 1965 كانت الولايات المتحدة والدول الامبريالية الحليفة لها، تسعى إلى رد اعتبار "تشومبي" وكانت هناك بعض الدول في القارة الموالية لليمين الذي ضمه إلى الاتحاد الأفرو - مالاجاش (بمبادرة من جانب هوفوية - بوانييه رئيس ساحل العاج). فتم الإعلان عن إجراء الانتخابات الكونغولية -التي تم التبشير عنها علي نطاق واسع - وكان هدف التسريع بإجرائها هو التكتم علي جريمة قتل الزعيم الكونغولي "باتريس لومومبا" . ولكن في ذلك الوقت أصبح واضحا أن "تشومبي" -الذي كانت حكومته تعتبر غير شرعية من جانب معظم أفريقيا- قد أصبح يشكل عبئا ثقيلا ، فكان من المتعين دفعه بعيدا عن المقاعد الأمامية. وقد حدث ذلك في 18 أكتوبر عندما عزله الرئيس "كازافوبو" وحل محله "ايفاريست كيمبا" فيما عرف بأنها فترة فاصلة قصيرة.

وطفا التنافس بين الولايات المتحدة وبلجيكا، من اجل الهيمنة علي حكومة "ليوبولدفيل" ، إلى السطح في 25 نوفمبر ، عندما تمكن الجنرال موبوتو من عزل الرئيس كازافوبو (الذي كان يتودد في تلك الفترة إلى قوات منظمة الوحدة الإفريقية المناهضة لتشومبي في أكرا ) دون إراقة للدماء، ومن ثم ينصب نفسه رئيساً للبلاد، وينصب الكولونيل "مولامبا" رئيسا للوزراء، وان يقيم حكما عسكريا.

رفضت حكومة "موبوتو" الجديدة طلب منظمة الوحدة الإفريقية تسريح وحدات المرتزقة "الأجنبية" الذي وجده "موبوتو" غير ملائم من الناحية العسكرية، فهذه الوحدات ، رغم قلة عدد أفرادها، فهي ذات أهمية كبيرة في قمع أي "نشاط ثوري". وقد تأكد هذا الدور من جديد في 5 ينويه 1976 ، عندما تمردت بعض القوى ضد الحكومة المركزية والقواعد العسكرية الأجنبية فتم إخماد التمرد بمساعدة ثلاث طائرات من طراز C -130 قدمتها الولايات المتحدة للحكومة وهذا الدور الحاسم الذي قامت به هناك القوة الجوية كانت صورة معدلة لما حدث في عام 1961.

وعندما تم القضاء على نسبة كبيرة من زعماء المعارضة أصبحت هناك إمكانيات تجدد المواجهة العسكرية بين "كاتنجا" - بلجيكا من ناحية، و "كينشاسا" - الولايات المتحدة من ناحية أخرى. وفي تلك الفترة اتهم تشومبي بالتآمر على الحكومة المركزية فهرب إلى أسبانيا في عام 1966. ثم حكم عليه غيابيا بالإعدام وفي شهر يونيو من ذلك العام اختطف تشومبي إلى الجزائر بتهمة التآمر السابقة، وبقي في الإقامة الجبرية حتى مات سنة 1969.

وعندئذ انتقل الصراع بدرجة كبيرة إلى المجالين السياسي والاقتصادي، حيث سعت المجموعات المالية الأمريكية كبنك أوف أمريكا و روكفلر ومورغان، إلى زعزعة المصالح المالية والصناعية للحكومة البلجيكية في الكونغو . فتركز النفوذ السياسي والمالي الأمريكي في كينشاسا من خلال محاولة السيطرة على شركة "ينيون مينيير" التي كان مقرها مازال في بروكسل والتي أممها "موبوتو" بطريقة شكلية. و قد لعب "تيودور سورينسون" المساعد الخاص للرئيس "كينيدي" والمهندس القانوني لتسوية اي نزاع في أفريقيا لصالح النفوذ الأمريكي دورا كبيرا في تسوية النزاع القائم بين حكومة "موبوتو" و بلجيكا وأنهاء التعاقد مع شركة "يونيون مينيير" وفي إنشاء الشركة الأمريكية "جيكومين" في عام 1969.

وبغية الحصول على قدر أكبر من التأييد الشعبي وتأييد منظمة الوحدة الإفريقية، شرعت كينشاسا في إرضاء المشاعر الواسعة المناهضة للاستعمار، وذلك عن طريق إجراءات مثل تكريم "لومومبا" بعد فوات الأوان، وإلغاء الأسماء البلجيكية من المدن الكونغولية في منتصف عام 1966 . وقد استمر هذا الاتجاه نحو الأفرقة "المزيفة" مع إطلاق اسم جديد للبلاد وهو "جمهورية زائير" بعد 27 أكتوبر 1971 واتخاذ علم جديد في نوفمبر من نفس العام. وفضلا عن ذلك تم تغير الأسماء ذات الرنين الأجنبي في حملة متزايدة الاتساع في يناير 1972. ولكن كل هذه الإجراءات كانت شكلية ف "موبوتو" كان تابع سياسيا واقتصاديا لواشنطن.

وعلي الرغم من أن الصراع قد انتقل بدرجة كبيرة إلى المجالين السياسي والاقتصادي، فإن الجيش الكونغولي ظل العنصر الرئيس للسيطرة على السلطة.

و مع حلول المستشارين الأمريكيين بالتدريج محل البلجيكيين، وظهور البعثات العسكرية الأمريكية على نحو جلي ومتزايد في كينشاسا، واعتماد كينشاسا المتزايد على واشنطن فيما يتعلق بالتدريب والأسلحة والمعدات، بل حتى في دفع نفقات القوات المسلحة حيث ارتفع عديد الجيش الكونغولي الذي كان قوامه 5000 جندي عند الاستقلال إلى 60000 جندي عند نهاية عام 1970 وكان من المتوقع أن يصل إلى 80000 جندي بحلول عام 1973 .

ووصل عدد الذين تدربوا على أيدي "الإسرائيليين" إلى 700 مظلي في عام 1970 وكان من المقرر زيادتهم إلى 10000 مظلي بحلول عام 1973. وكانت المطارات الحربية وأبراج المراقبة مجهزة بحوالي 300 من التقنيين الأمريكان، بالإضافة إلى عدد من الطيارين الذين تدربوا في القواعد الأمريكية والايطالية.

وبتحكم واشنطن بالجيش الكونغولي تمكنت بقبضة حيوية من السيطرة على الحياة المدنية للبلاد.و استخدامه في التصدي للعديد من ثورات التحرر في القارة الإفريقية.فكان للنجاحات العسكرية التي حققتها الامبريالية الأمريكية في الكونغو وبخاصة تدخلها المنظم المشترك في نوفمبر 1964، متضمنات عالية ذات شأن.

فثمة رأي تردد في أروقة الأمم المتحدة بعد ذلك بوقت قصير ، مفاده أن استخدام الأسلحة الغربية في "ستانلي فيل" قد تطور إلى مفهوم لدي وزارة الخارجية الأمريكية يؤمن بأن الاستخدام الجيد التوقيت للقوة الأمريكية يمكن أن يقمع حركات التحرر الوطني وتلك صيغة كانت تتفق مع إستراتيجية "الاستجابة المرنة " التي طبقت بوجه خاص في فيتنام .

فكان هذا التحول للأحداث في الكونغو والتخلص من لومومبا -استنادا إلى مستشار البيت الأبيض "و .روستو" - نذيرا بالنهاية الوشيكة للثورة الرومانسية في أفريقيا.. والذي مازال أثره ماثلا إلى يومنا هذا.

القاهرة/2017.05.27

-------------------

(*)كريبسو ديالو: باحث مصري متخصص في الشؤون الإفريقية.

http://maysaloon.news/