24 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

 

محمد الحسن

وقفة مع كابرال: معضلة البرجوازية الصغيرة والانتحار الطبقي(3)

محمد الحسن(*)

في تعرضه لدور البرجوازية الصغيرة في قيادة حركة التحرر القومي في مرحلة الاستعمار الجديد (الاستعمار غير المباشر) أكد "كابرال" على ضرورة أن تتحلى تلك الطبقة بوعي أكبر وأعمق وأن تظهر التحاماً أكبر بالجماهير كي تتمكن من تحقيق أهداف التحرر ولكي تمنع تحولها إلى شبه-برجوازية عميلة مرتهنة لرأس المال الامبريالي. وبالرغم من إيمانه بحتمية قيادة البرجوازية الصغيرة لنضالات التحرر في المستعمرات، إلا أنه اعتبر ذلك إحدى نقاط الضعف الكبرى، حيث يقول : "إنه وبغض النظر عن درجة الوعي الثوري الذي تتخذه هذه الشريحة من البرجوازية الصغيرة [يقصد الشريحة الثورية منها] للقيام بتلك المهمة التاريخية، فإنها غير قادرة على تحرير نفسها من الحقيقة الموضوعية التالية : كون البرجوازية الصغيرة طبقة خدمية (أي أنها لا تشارك مباشرة في عملية الإنتاج) فإنها تفتقر للقاعدة الاقتصادية التي تضمن لها السيطرة على السلطة. في الحقيقة، فإن التاريخ يظهر أنه مهما كان الدور (المهم في كثير من الأحيان) الذي يلعبه أفراد من البرجوازية الصغيرة في العملية الثورية، فإن هذه الطبقة لم تمتلك السلطة السياسية قط ولم تكن قادرة أبداً على امتلاكها، حيث إن أساس السلطة السياسية (الدولة) هو في القدرات الاقتصادية للطبقة الحاكمة، وتلك القدرات، في ظروف المجتمع المستعمَر وشبه المستعمَر، يحتفظ بها كيانان اثنان : رأس المال الامبريالي وطبقات العمال المحلية" (مستلزمات وأهداف التحرر القومي وعلاقتها بالبنى الاجتماعية - ورقة مقدمة لمؤتمر القارات الثلاث بهافانا ١٩٦٦). لقد غفل الكثيرون عن تلك الحقيقة، فجعلوا سبب خيانة البرجوازية الصغيرة وارتهانها للامبريالية هو "ترددها" وعدم حسمها حصراً، وهي مسألة تنتهي بنا إلى حقل الوعي والمثل والإرادة الإنسانية الثورية، أي أنهم يرجعون الخيانة إلى أساس معنوي - روحي. وبينما تلك الطبقة بالفعل تعاني من التردد إلا إن الأساس المادي لخيانتها هو في الحقيقة التي بينها "كابرال" : افتقارها للقدرات الاقتصادية، فلا هي تمتلك رؤوس الأموال، كالامبرياليين، ولا هي تسهم في تشغيل وسائل الإنتاج، كالعمال. من هنا تكون مسألة احتفاظها بالسلطة - كطبقة - مرهونة بالخيانة، حيث إنها "ولكي تحتفظ بالسلطة التي تأتت لها عن طريق التحرر القومي فإن البرجوازية الصغيرة تجد أمامها طريقاً واحداً : أن تطلق العنان لميولها الطبيعية في التحول إلى "برجوازية" وأن تسمح بتطور البرجوازية البيروقراطية وبرجوازية الوسطاء في نظام التجارة، أن تحول نفسها إلى شبه-برجوازية قومية أو بكلمة أخرى : تتبرأ من الثورة وتنبطح بالضرورة لرأس المال الامبريالي، ما يعني عودة لحالة الاستعمار الجديد، وهي خيانة لأهداف التحرر القومي". هنا مرة أخرى يقع الكثيرون في فخ "الحتمية"، فيرون في تجاربنا العربية هذا الجانب فقط، ويستنتجون أن المآلات التي انتهت إليها "طبيعية" وأنه ما كان للبرجوازية الصغيرة العربية "الشعبوية" سوى الانبطاح الكامل. إلا أن هذا ليس الخيار الوحيد أمام البرجوازية الصغيرة، الشريحة الثورية منها بالتحديد، الخيانة ليست قدراً محتماً عليها فقط لكونها برجوازية صغيرة، فعامل الإرادة الإنسانية والوعي الثوري وإن لم يكونا الأساس المادي للسلطة السياسية إلا أنهما يلعبان دوراً كبيراً جداً في تطورها ورسم مآلاتها. يقول "كابرال" : "ولكي لا تخون تلك الأهداف، فإن البرجوازية الصغيرة أمامها طريق واحد لتسلكه : أن تقوي وعيها الثوري، أن ترفض إغراءات التحول إلى "برجوازية" وأن تتبرأ من عقليتها الطبقية المغرورة، أن تلتحم بطبقات العمال وألا تقف عائقاً أمام تطور العملية الثورية. إن هذا يعني أن البرجوازية الصغيرة، ولكي تؤدي بشكل كامل المهمة الملقاة على عاتقها في الكفاح من أجل التحرر القومي، فإنها مطالبة بأن تنتحر طبقياً، أن يعاد تشكيلها في الحياة على هيئة العامل الثوري الملتحم بالتطلعات الأعمق للشعب الذي ينتمي إليه". هنا تصبح الخيارات واضحة، فإما الاحتفاظ بالسلطة عن طريق التحول إلى شبه-برجوازية عميلة وإما الاحتفاظ بها عن طريق التحول إلى طبقة عاملة، ما أسماه "كابرال" بالانتحار الطبقي، إما الارتهان لرأس المال الامبريالي وإما الدفع بالطبقة العاملة إلى الأمام. "إن هذا الاختيار بين خيانة الثورة والانتحار الطبقي يشكل معضلة البرجوازية الصغيرة في الإطار العام لكفاح التحرر القومي. ويعتمد الحل الإيجابي لتلك المعضلة، الحل الذي يصب في صالح الثورة، على ما أسماه "فيديل كاسترو" مؤخراً، وبشكل مناسب، بـ"تطور الوعي الثوري". وهذا الاعتماد يقود انتباهنا بالضرورة إلى قدرة قادة نضال التحرر القومي على الإخلاص لمبادئ هذا النضال وقضيته الأساسية، وهو ما يُظهر لنا، بدرجة أو بأخرى، أنه بينما مسألة التحرر القومي هي مسألة سياسية بالأساس إلا أن شروط تطورها تتوقف على خصائصها المحددة التي تنتمي إلى حقل الأخلاق". مما لا شك فيه أن الظروف الاقتصادية والهياكل الاجتماعية في دولنا لم تتغير جذرياً بما ينفي الاستنتاجات التي توصل إليها "كابرال"، حيث لا تزال البرجوازية الصغيرة هي الفئة الأكثر فاعلية وحركة في مجتمعاتنا وتشكل عماد الحراك السياسي - التقدمي بالذات. لا تزال تلك الطبقة، الشريحة الثورية منها تحديداً، هي المؤهلة لقيادة النضال ضد التبعية دون غيرها من الطبقات، ما يستلزم من الجميع دراسة هذا الدور الواجب القيام به أولاً، طبيعة النضال لكسر التبعية والمهام الملقاة أمامه، وكذلك دراسة تلك الطبقة (الشريحة الثورية بالذات، التي أسماها "نديم البيطار" بالإنتليجينسيا العربية وكان خير من درسها حتى اللحظة في كتابه "المثقفون والثورة" بجزئية)، كيف يمكن لها قيادة النضال وأداء دورها ؟ ما الذي يعيقها من أداء دورها في مرحلة التحرر القومي ؟ كيف يمكن لها بناء وعي ثوري علمي وتخليصها من أوهامها ؟ كيف يمكنها التلاحم بالطبقات والشرائح الكادحة وتلقيحها بذلك الوعي ؟ تلك الأسئلة، وأسئلة كثيرة غيرها، تنتظر منا إجابات، إجابات إن نحن أحسنا صياغتها ستشكل وعياً يساعدنا في أداء دورنا كتقدميين تجاه شعبنا وأمتنا، وعي ثوري سيكون لـ"أميلكار كابرال" مكان مميز فيه.

الكويت/ 2017.04.20

-------------------

(*) محمد الحسن:كاتب كويتي.

http://maysaloon.news/