22 تشرين2 2019
http://maysaloon.news/

 

محمد الحسن

معنى أن يكون "الحراك" بلا قيادة

محمد الحسن(*)

منذ اندلاع أحداث ما يسمى بالربيع العربي، أصبح الحديث عن "الثورة" موضةً، وتمَّت إحاطة كلمة "الشعب" بهالةٍ من التقديس، دون الالتزام حتى بالتعريفات البسيطة لكلا المفردتين/ المفهومين. إذ أن الحراك، من أيِّ نوعٍ كان، وبأيِّ طريقةٍ حصل، بات يوصف بالثورة. وأصبحت تعابيرٌ من نمط "نحن مع الشعب" و "كلنا ثقة بالشعب" تُطلق مع كل حراكٍ تعبيرًا عن التأييد.

في الحقيقة، فإن ذلك التعبير الأخير (كلنا ثقة بالشعب) بات يُطلق دون أدنى معرفةٍ بالشعب المعني، بظروفه، بواقعه (على سبيل المثال، عندما بدأ الحراك في السودان، وجدنا من يعلن التأييد ويشجع ويهتف، وهو لا يعرف أيَّ شيءٍ عن السودان، لا عن تاريخه ولا عن جغرافيته ولا عن ديموغرافيته ولا عن تكوينه الاجتماعي!). وبعيدًا عن التعاطف الإنساني والأخلاقي الضروري والمستحق تجاه كل الشعوب، فإن تلك الهالة التي يُحاط بها "الشعب" تحتاج إلى وقفة.

في جل أحداث الربيع العربي منذ ٢٠١١ وحتى يومنا هذا، كثيرًا ما تم التأكيد على أن "الحراك"، في هذا البلد أو ذاك، هو حراكٌ شعبيٌّ عفويٌّ بلا قيادة، وأنه حراكٌ سببه الفساد والاستبداد والفقر والحاجة، إلخ... وغالبًا ما كان يُنظر إلى العفوية وغياب القيادة على أنهما من الحسنات التي تزكِّي الحراك وتؤكد طابعه "الشعبي" في محاولةٍ لاستغلال هالة "الشعب" و"ثقتنا" به لتشمل حراكـ"ـه".

لكن ما إن تنتُج عن الحراك نتائجٌ فاشلةٌ (أو مخزيةٌ) حتى يتم الدفع بأن الفشل مردُّه إلى العفوية وغياب القيادة، وأن ذلك تسبب في تسهيل "سرقة" الحراك، أي أن الفشل يبرر بذات الأسباب التي استُخدمت لحشد التأييد له، الأمر الذي يقودنا إلى طرح الأسئلة التالية:

ما معنى أن يكون للشعب قيادة؟

هل الشعب الذي يفتقد القيادة هو شعبٌ أهل للثقة؟

ما معنى أن تكون لدينا "ثقة" بالشعب أصلًا؟

لماذا يكون غياب تلك القيادة سببًا في"سرقة" هذا الحراك أو ذاك؟

 

النخبة/ القيادة والثقة

في مسيرة تطورها ومواجهتها للصعاب والتحديات، تتحرك الجماعات البشرية – فكريًا وعمليًا – لتتغلَّب على تلك الصعاب والتحديات وتضمن تقدمها. هذه العملية متواصلةٌ ومستمرةٌ، قد تهدأ أو تتباطأ، ولكنها لا تنقطع، فمادامت هناك حاجةٌ ماديةٌ ملموسةٌ للتعاطي مع مسألةٍ ما، فهناك على الدوام انشغالٌ فكريٌّ ومحاولاتٌ عمليةٌ للتعاطي مع تلك المسألة.

تعبِّر الشعوب عن تلك العملية من خلال نخبها، سواء كانت تلك النخب من المفكرين أو السياسيين أو رجال الدين أو شيوخ القبائل أو الوجهاء المحليين، إلخ... وتلك النخب هي التي تتصدى للتحديات وتنشغل بها، فتطرح حلولًا وخططًا، وتحصل على تأييد الشعب بالقدر الذي تعبِّر فيه عن تطلُّعات هذا الشعب وبالقدر الذي تكون فيه تلك الحلول والخطط التي تطرحها موضوعيةً ومقنعةً وقابلةً للتحقق. وكلما حققت النخب إنجازًا ملموسًا، ازداد تأييد الشعب لها، واشتد التزامه بما تطرحه عليه.

تلك النخب هي بكل بساطةٍ ما نسميه بـ"القيادة": نخبةٌ/ جماعةٌ من أبناء الشعب، تنشغل بالتحديات الكبرى التي تواجه المجتمع، وتطرح حلولًا تناضل لتحقيقها، فيتبنَّاها الشعب ويلتف حولها؛ إذًا القيادة هي:

أولًا – من صفوف الشعب، لا تهبط بالمظلات من الخارج!

ثانيًا – تعبيرٌ عن رؤى هذا الشعب، هي المصهر الذي يصهر فيه الشعب أفكاره ليحوِّلها إلى برامجَ عمليةٍ يتم تنفيذها.

ثالثًا – تعبيرٌ عن قدرة وقابلية هذا الشعب على تنظيم نفسه، وعن امتلاكه لقراره، حيث أنه قد اختار تلك المجموعة/ النخبة دون غيرها، والتزم بما تطرحه هي لا بما يطرحه الآخرون.

بالتالي فإن هذا الشعب الملتف حول قيادته قد وحَّد إرادته وعبَّر عن هذه الإرادة بتلك القيادة، وهنا يصبح الشعب قادرًا على توجيه أفعاله والتحكم بها – تصعيدًا أو تهدئةً –، فيصبح أهلاً للثقة. لكن ما معنى "ثقة"؟

تعني الثقة بكل بساطةٍ أننا بسبب المعطيات التي لدينا حول أوضاع هذا الشعب، وقيادته، ومدى الانسجام بينهما، نتوقع بشكلٍ كبيرٍ أن تكون النتائج إيجابيةً، وكلما كانت المعطيات قويةً، كلما زادت توقعاتنا، أي ثقتنا.

 

غياب القيادة

حالة غياب القيادة تعني أن النخب قد فشلت في التعبير عن الشعب، وبكلماتٍ أخرى أكثر وضوحًا، تعني أن الشعب قد عجز عن إفراز فئةٍ تعبِّر عن طموحاته، أي عجز عن صهر أفكاره وتوحيد رؤاه إزاء التحديات التي تواجهه.

إذًا، الشعب الذي لا قيادة له هو شعبٌ غير قادرٍ على تنظيم نفسه ولا يملك قراره بعد، وهو بالتالي شعبٌ لا يتحكم بأفعاله، شعبٌ لا يملك قرار التصعيد أو التهدئة... فكيف نتوقع منه تحقيق شيءٍ ملموسٍ إزاء التحديات التي يواجهها؟

بكلمات أخرى أكثر قسوة، الشعب الذي لا قيادة له هو شعبٌ لا نثق به! ولا بد أن نؤكد هنا، منعًا للالتباس، ولكي لا يقوِّلنا أحدهم ما لا نقوله، أن عدم الثقة يرتبط بعجز الشعب الآني عن إفراز قيادته، لكن بما أن مواجهة التحديات عمليةٌ مستمرةٌ – كما أسلفنا –، فإن الشعب لا بد وأن يصل لمرحلة إفراز القيادة، وأن الثقة في هذا الأمر حتمًا موجودة، لأنه من سنن التاريخ، فلا وجود لشعوبٍ عاجزةٍ مدى الدهر!

 

الجزائر وفييتنام وروسيا

الأمثلة على ما تم وصفه أعلاه كثيرة؛ فنجد أن في الجزائر، في فترة الاستعمار، شعبًا يرزح تحت الاحتلال ويقاومه لعقودٍ بكل بسالةٍ ودون توقفٍ، ومع ذلك يفشل. ونجد أن النخب فيه كانت متعددةً، تطرح حلولًا ورؤى متباينةً، ولكن الشعب، وفي لحظةٍ تاريخيةٍ، اختار أن يلتف حول نخبةٍ عُرفت لاحقًا باسم "جبهة التحرير الوطني" ممثلةً بتسعة أفراد. لقد اختار الشعب تلك القيادة دون غيرها (مصالي الحاج، جمعية العلماء المسلمين، الحزب الشيوعي، المشايخ الدينية والقبلية، إلخ...) والتزم بقراراتها، وقاتل تحت رايتها بكل نكران ذات وببطولةٍ استثنائية. كل عاقلٍ في تلك الفترة كان لا يملك إلا أن يثق بالشعب الجزائري، وبأنه قادرٌ على تحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بالمستعمر الفرنسي.

ينطبق المثل أيضًا على النموذج الفييتنامي، الذي واجه نفس الاستعمار، وتمكَّن من هزيمته. لقد التف الفييتناميون حول راية قيادةٍ واعيةٍ وناضجةٍ أفرزتها تجاربٌ سابقةٌ مريرةٌ خاضها الشعب. وبسبب طبيعة القيادة، ومدى الانسجام بينها وبين الشعب، ووضوح الرؤية ومدى الالتزام بها، كان لدى الجميع ثقةٌ عاليةٌ بحتمية نصر الفييتناميين (ضد فرنسا أولًا، ثم ضد الولايات المتحدة).

وهناك تجاربٌ عكست نضج الشعوب وقدرتها على التعبير عن نفسها بطريقةٍ تستحق التأمل، فعندما أسقط الروس النظام القيصري في ثورة فبراير ١٩١٧، عبَّروا نن أنفسهم في سوفييتات (مجالس) العمال والجنود (وبشكلٍ أساسيٍّ في العاصمة بتروغراد)، والتي كانت بقيادة الماركسيين المناشفة والفوضويين اليمينيين بالدرجة الأولى. لقد كان الهدف الأول للثورة، والمطلب الأساسي للشعب، هو الانسحاب من الحرب (العالمية الأولى). وما أن فشلت القيادة بتحقيق هذا المطلب، حتى تركهم الشعب والتف حول قيادةٍ جديدةٍ أكثر صدقًا وأكثر تعبيرًا عن طموحاته، هي الماركسيون البلاشفة بقيادة لينين؛ فأسقطوا القيادة السابقة وأوقفوا الحرب بعد أشهر. هنا، وصل الشعب إلى مرحلةٍ من النضج مكَّنته من إنجاز فعلٍ ثوريٍّ بمستوى عالمي، أي أن ما فعله الروس استجابةً لتحدياتٍ محليةٍ كانت له أصداءٌ عالميةٌ كبرى غيَّرت وجه التاريخ.

 

حالتنا العربية الراهنة

في حالتنا العربية الراهنة، يكفي أن تغيب القيادة لننفي كل صفةٍ ثوريةٍ عن أيِّ حراكٍ، فالشعب غير القادر على التعبير عن نفسه بوضوح – أي الذي لا يملك قيادة –، هو بالضرورة غير قادرٍ على الفعل الثوري، لأنه ببساطةٍ لم يصل بعد في سيرورة نضجه إلى المرحلة.

لكن ليس هذا وحده، بل إننا لا بد وأن نؤكد على أن العدو (الناهب الدولي/ الإمبريالي، سمِّه ما شئت) يهيمن على بلادنا بما فيها المنظمات التي تنتظم فيها النخب (الأحزاب والجمعيات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني، إلخ...)، وأن ظاهرة التمويل الأجنبي باتت علنيةً ومعروفةً للجميع. فلماذا يقوم العدو بتمويل منظمات المجتمع التي تنتظم فيها النخب العربية (بينما هو عملياً في وضع اقتصادي سيء)؟

الشعب – كما قلنا – يعبِّر عن نفسه بواسطة نخبه، وتلك النخب هي القادرة على التعبئة والتحشيد، فإن امتلكها العدو، بات هو الوحيد القادر على تعبئة الناس وإخراجهم إلى الشارع متى شاء بواسطة تلك النخب الفاسدة التي اشتراها بتمويله.

هنا، لا تنتفي صفة "الثورية" عن حراك الناس فحسب، بل ويصبح الحراك رجعيًّا كونه يخدم العدو (ومن الطبيعي أن تكون شعارات أي حراكٍ معبِّرةً عن الناس، وإلا فهم لن يخرجوا. الشعارات هي بالضرورة شعاراتٌ محقةٌ، فالعدو لن يقول: اخرجوا إلى الشارع لأنني أحتاج دعمكم في تنفيذ مخططاتي لتأبيد هيمنتي عليكم وعلى مقدراتكم!). النخب إذًأ، إما فاشلةٌ في التعبير عن الشعب، وإما مموَّلة من العدو، أو الاثنين معًا! فكيف يُتوقع من الشعب أن يتحرك ويكون حراكه ثوريًا؟

في ظل غياب القيادة المعبِّرة عن رؤى الشعب وتطلعاته، وفي ظل نخبٍ فاسدةٍ ممولةٍ من العدو، يكون العدو هو الطرف المتحكم بسير الأحداث. الحراك في ظل هكذا ظروف ينتهي إلى نهايته الطبيعية. حراكاتٌ من هذا النوع لا تُسرق، لأنها بكل بساطةٍ تعود لصاحبها الأصلي!

الكويت/2019.10.11

------------------

(*) محمد الحسن: كاتب كويتي.

http://maysaloon.news/