20 آب 2017
http://maysaloon.news/

محمد صالح الفتيح

عن تركيا وإيران في «عصر ترامب»

محمد صالح الفتيح(*)

حرصت إيران لسنوات عديدة - حتى فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية - على الاحتفاظ بعلاقة ممتازة بتركيا. ويعود هذا الحرص، في الحقيقة، لأسباب عميقة وإستراتيجية، ولهذا صمدت العلاقة التركية-الإيرانية في وجه العواصف التي ضربت المنطقة. فلم تتأثر هذه العلاقة، على سبيل المثال، بالحرب العراقية الإيرانية. وبالرغم من أن تركيا كانت تعتمد على النفط العراقي، المتدفق عبر خط أنابيب كركوك - يومورتاليك، والذي كان يغطي في تلك الأيام حوالي ثلثي احتياجات تركيا من النفط، إلا أن تركيا لم تقطع علاقتها بإيران أو تتخذ موقفاً معادياً منها. بل إن تركيا تحولت يومها إلى أحد الشرايين المهمة للاقتصاد الإيراني، بعد تضرر حركة الملاحة إلى الموانئ الإيرانية بسبب ظروف الحرب العراقية الإيرانية؛ فتحول الطريق البري، المار عبر جسر «قاطور» الاستراتيجي في غرب إيران، إلى شريان تجاري للاقتصاد الإيراني يقارب في أهميته أهمية ميناء بندر عباس. وحين بدأت حرب الناقلات وبدأت إيران بمهاجمة ناقلات النفط الخليجية واتهمت دول الخليج بدعم الاقتصاد العراقي، ولاسيما السعودية التي اتفقت مع العراق على مد أنبوب نفط يمر عبر أراضيها، حاولت سوريا الوساطة بين الطرفين، السعودي والإيراني، وكان من ضمن الردود السعودية أنه لا يحق لإيران انتقاد مد أنبوب النفط العراقي عبر الأراضي السعودية مادامت لا تعترض على تدفق النفط العراقي عبر الأراضي التركية.

لاحقاً، تطورت العلاقة الإيرانية-التركية أكثر خلال عقد التسعينات. ومن المفارقات التي يجب الإشارة إليها أنه في العام الذي حشدت أنقرة الجيش التركي مهددةً بغزو الأراضي السورية بحجة تقديم دمشق الدعم لحزب العمال الكردستاني، التزمت طهران يومها الصمت التام بعد أن كانت قد وقعت للتو مع تركيا اتفاقاتٍ تجارية بمليارات الدولارات. ولكن شهر العسل الحقيقي قد بدأ في العام 2002 مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في أنقرة. ظهر حرص طهران على الحفاظ على علاقة جيدة مع أنقرة، أو لنكون أكثر دقة، مع حكومة العدالة والتنمية، في مناسبات كثيرة. التزمت طهران الصمت التام إزاء الحرب التي شنتها تركيا على سورية، وحتى عندما انخرط الجيش التركي مباشرةً في الحرب، كما حصل خلال الهجوم على مدينة كسب في شمال اللاذقية في العام 2014، كان التصريح الإيراني الوحيد هو «دعوة الطرفين» لضبط النفس، مساويةً بذلك بين المعتدي والمعتدى عليه. واستمر الصمت الإيراني أيضاً عندما بدأ الغزو التركي الصريح للأراضي السورية، في 24 آب 2016.

إذاً، بعد هذه المسيرة الطويلة من العلاقات المتميزة، والتي قاومت الأزمات الكبرى، لماذا تختار تركيا الآن أن تعلن العداء، الكلامي على الأقل، لإيران؟

المسألة تتعلق، بالدرجة الأولى، بالبحث عن دور في اللعبة الكبرى. تبنى الرئيس الأميركي السابق سياسةً تميل إلى مهادنة إيران وتجنب التصعيد معها والتركيز على المسار الدبلوماسي للتفاهم حول الملفات الشائكة، مثل الملف العراقي والملف النووي. ولا يخفى أن تركيا لعبت دوراً مهماً في المسار الدبلوماسي الطويل الذي قاد في النهاية إلى التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني، كما لعبت مرةً أخرى دور الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني في وجه العقوبات الغربية. وبعيداً عن إيران، كان الدور المتوفر لتركيا في اللعبة الأميركية الكبرى هو تقديم النموذج الإسلامي المعتدل، «النموذج الإخواني»، المطلوب استنساخه في أقطار عربية معينة في أعقاب الربيع العربي. وكان هذا سبباً آخر للتقارب الإيراني التركي، فإيران، حتى اليوم، لا تزال تراهن على تنظيم "الإخوان المسلمين"، وعلى الجماعات التي خرجت من رحمه.

اللعبة الكبرى للشرق الأوسط تغيرت. الولايات المتحدة لم تعد تبحث اليوم عن استنساخ تجارب الإسلام المعتدل، بل إنها تبحث عن العكس تماماً. إذ بات المسؤولون الأميركيون يتحدثون صراحةً عن دعم، واستنساخ، التجربة المصرية في محاربة التنظيمات الإسلامية، وعلى رأسها "الإخوان المسلمون". كما يعلن المسؤولون الأميركيون، صراحةً، عن انتهاء الرهان على مصالحة مع إيران، والانتقال إلى محاربة إيران واحتوائها. إذاً أين يمكن لتركيا أن تجد دوراً في هذه اللعبة الكبرى الجديدة التي ستستمر ربما لعقدٍ آخر من الزمن؟

الدور الوحيد المتوفر لتركيا اليوم هو في الانضمام إلى المعسكر المعادي لإيران، ولكن لا مجال اليوم لاستخدام مفردات الصراع السني-الشيعي، وتوسع الهلال الشيعي؛ لهذا يتحدث أردوغان اليوم عن «التوسع الفارسي» الذي تمارسه إيران. ولا توجد أي مصادفة في خروج هذه التصريحات في اليوم التالي لتصريحات ترامب حول مراجعة الاتفاق النووي الإيراني، التي يمكن اعتبارها الخطوة الفعلية الأولى باتجاه إلغاء نتائج سياسة أوباما الإيرانية.

إيران، من جانبها، لن تتفاجئ بالتصريحات التركية، فهي تدرك جيداً أن أردوغان قرأ باكراً التغييرات المقبلة واستعد للقيام بالاستدارة المطلوبة للاستمرار باللعبة الكبرى، فهذا ما يفعله أي لاعب سياسي، وأردوغان أبعد ما يكون عن السذاجة. وهذا ما يفسر، على سبيل المثال، التلكؤ في التصدي للتقدم التركي في الأراضي السورية في المرحلة السابقة للانتخابات الأميركية. يومها كان أردوغان حليفاً، أما بعد الانتخابات الأميركية وفوز ترامب وظهور العداء الطاغي لإيران، بات من الضروري أن يحصل تحرك سريع لاحتواء التوغل التركي في سوريا، فكان السباق باتجاه مدينة الباب. ولكن ذلك حصل بعد فوات الأوان، بعد أن حصل التفاهم الروسي التركي، الذي اعترف لتركيا بحقها بالسيطرة على مدينة الباب.

واليوم، وفيما ننتظر انطلاق معركة مدينة الرقة، لا يزال النقاش مستمراً حول مشاركة تركيا من عدمها في هذه المعركة. هل ستعتمد الولايات المتحدة فقط على شركائها الأكراد، «قوات سوريا الديمقراطية»، أم ستعمل على طمأنة المخاوف التركية وتترك دوراً لتركيا في هذه المعركة. المشاركة التركية في معركة الرقة، من عدمها، ليست بالتفصيل الهامشي. فلا مجال لدخول القوات التركية، أو المدعومة من تركيا، إلى الرقة إلا عبر مسار واحد، عبر منطقة تل أبيض، أو ما يعرف بالمعبر العربي، بين كانتوني «الجزيرة» و«كوباني» الكرديين. الدخول التركي من تل أبيض إلى الرقة سيمزق حلم الكيان الكردي، كما حصل في الباب عندما فُصلت «كوباني» عن عفرين. ومن يتابع وسائل إعلام معينة لن يجد كثير مشقة في ملاحظة كيف تحول هذا الإعلام إلى منصة لناشطين من «قوات سوريا الديمقراطية». ولا اعتقد أنه سيكون هناك أي ظلم لو قلنا إن إيران تفضل أن يسيطر الأكراد على الرقة بدل أن يفعل الأتراك ذلك. فهذا يعني، من ناحية أولى، أن تركيا لن تكون على علاقة جيدة مع الولايات المتحدة، وبالتالي قد لا تندفع في المشروع الأميركي المعادي لإيران، ومن ناحية أخرى، ستحتاج للتعاون مع طرف آخر لإبعاد الخطر الكردي، والمرشح الأفضل هنا هو إيران بالطبع.

ولكن ماذا عن سوريا؟ لا شك في أن سوريا قد دفعت ثمن الصعود التركي، الذي كان نتيجة شهر العسل التركي الإيراني، فهل ستدفع اليوم ثمن العداء التركي الإيراني؟

لندن/ 2017.04.20

-----------------

(*) محمد صالح الفتيح: باحث سوري.

http://maysaloon.news/