24 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

ناجي صفا

أردوغان يدخل المستنقع بقدميه

ناجي صفا(*)

تحولت الأحلام الوردية لأردوغان بأن يستعيد أمجاد الدولة العثمانية إلى كابوس، لم يدرك اردوغان أن المعادلات تغيرت وكذلك الموازين والمعطيات الدولية .

فما كان متاحا في القرن السادس عشر عندما كانت أوروبا تتخبط بأزماتها وحروبها غير متاح الآن .. لم يدرك أن اعتماده على "الإخوان المسلمين" لاستعادة المجد العثماني هو مجرد أوهام وأحلام.
كنت واحدا ممن تخوفوا من دخول اردوغان الأراضي السورية، وازدادت خشيتي عندما لعب مع "داعش" لعبة تسليم جرابلس دون قتال، وراقبت بخشية وحذر توسع قواته باتجاه الباب التي أعاد فيها لعبة جرابلس.

لكن صدمته العنيفة مع الأكراد تحت عنوان منعهم من إقامة كيان كردي مستقل في شمال سورية وضعه في مواجهة عسكرية كلفته حتى الآن حوالي 300 قتيل من الجيش التركي الذي بدأ يتأفف من الأحلام الأردوغانية المكلفة والتي تكشف الجيش التركي أمام العالم بان مدينة مثل مدينة الباب عجز، عن دخولها حربا على مدى سبعة أشهر واضطر لعقد تسوية مع "داعش" لكي يدخلها، وان صدامه مع الأكراد خدم بوعي أو من غير وعي وحدة الأراضي السورية وساهم في إسقاط المشروع التقسيمي وإنشاء كيانات مستقلة، لذلك غضت سوريا النظر عن الدخول التركي حتى بدت وكأنها راضية عنه.
هذا على المستوى الميداني أما على المستوى السياسي فقد أصبح اردوغان في وضع لا يحسد عليه، فالإتحاد الأوروبي غير موافق على ضرب الأكراد وقد بدت بشائر ذلك من خلال سماح ألمانيا للأكراد بالتعبير السياسي المباشر وعبر أعلامها عن مواقفهم . كما من خلال إلغاء مهرجان لأصدقاء اردوغان الذين كانوا يودون أن يشرحوا في المهرجان فضائل التغيير الدستوري الذي ينشده بتغيير تركيا من دولة ذات نظام برلماني إلى دولة ذات نظام رئاسي.
أما على المستوى الداخلي فسيؤدي استمرار ضرب لأكراد إلى المزيد من فعالياتهم وتحركهم الداخلي والخارجي، والى المزيد من العنف ما سينعكس سلبا على الاقتصاد التركي الذي بدأ يترنح ويفقد أفضليته في تعزيز سلطة اردوغان التي استثمرها هذا الأخير على مدار أكثر من عقد من الزمن ناهيك عن انهيار السياحة بسبب الواقع الأمني وكذلك هروب رؤوس الأموال نتيجة لهذا الواقع، يضاف إلى ذلك كله تململ الجيش جراء الخسائر التي يتكبدها وسيتكبدها لاحقا.
الولايات المتحدة التي استند إليها اردوغان في الكثير من مشاريعه لا توافق على ضرب الأكراد، لا بل هي تستخدمهم في أجندتها السياسية وتدعمهم، كذلك حلف الناتو الذي يلجأ إليه كل ما " دق الكوز بالجرة" كما يقول المثل الشعبي لن يخرج عن الإرادة الأميركية كرمى لعيون اردوغان. حتى حليفته "إسرائيل" لن تتعاون معه في ضرب الأكراد فلا يضيرها إنشاء كيان كردي في شمال سوريا أو شمال العراق، كونها قادرة على التنسيق مع هذه الكيانات كما هو حاصل مع مسعود البارزاني أما فيما يتعلق بالواقع السوري في هذه العجالة فينطبق عليه قول شاعر إيراني : "اضرب عدوك بيد خصمك فترتاح من الاثنين معا!"
اضطر الأكراد للجوء إلى الجيش العربي السوري في منبج فسلموه المدينة وأصبحوا تحت حمايته، وبالتأكيد "ستكر" حبات المسبحة في مواقع أخرى..
ربما يضطر اردوغان مستقبلا إلى اللجوء إلى الجيش العربي السوري للفصل بين قواته والقوات الكردية . وسيضطر الأكراد للتخلي عن أحلامهم الوردية بإنشاء كيان كردي مستقل في شمال سوريا وكل ذلك يصب بشكل مباشر وغير مباشر في المصلحة السورية ووحدة أراضيها.
يثبت ذلك أن السياسة لا تدار بالأحلام وإنما بالعقل المخطط والبارد الذي يقرأ المعادلات وبناء عليه يرسم المخططات . وثبت بأن العقل السوري الذي مارس لعبة الانتظار والصمت وأحيانا الإستدراج وبدأ أحيانا وكأنه موافق على التدخل التركي انه ما زال العقل الأنجح والأهم في قراءة الواقع والمعادلات.
لم اعد خائفا من مشاريع اردوغان وأحلامه الوردية وإنما بت جالسا انتظر خيباته التي ستترجم نصرا مؤزرا للجيش العربي السوري وللدولة السورية ووحدة الوطن الذي فشلوا في تمزيقه..

بيروت 2017.03.05

------------------

(*) ناجي صفا:كاتب يساري لبناني

http://maysaloon.news/