20 آب 2017
http://maysaloon.news/

نواف نافع

نُتَف من لقاءات الرجل الطويل بالرجل القصير

نواف نافع(*)

بخطوتين عاديتين، أدرك الرجل الطويل الرجل القصير، ووقف خلفه تماماً. وضع الرجل الطويل يده على كتف الرجل القصير مباعداً الإبهام عن سائر الأصابع، ضغط بقوة محركاً يده باتجاه عقارب الساعة، دار الرجل القصير دورتين كالبلبل حتى استقر في مواجهة زميله.

بحركة استعراضية رفع الرجل الطويل يده لتستقر على خد الآخر، الحادث المفاجئ كان كافيا لإثارة الرجل القصير.. فحرك يده اليمنى.. و قبل أن يفعل شيئاً كان كفا آخر قد استقر على خده الأيسر، ببطء ثنى الرجل القصير يده و فتح كفه وقبل أن يعاود الرجل الطويل الكرّة، كان الرجل القصير عارضاً يده للمصافحة.

*********

باب ضخم يفصل الرجل الطويل عن الرجل القصير، و رغم ذلك اضطر الرجل الطويل أن يدفع مؤخرته إلى الخلف ليتمكن من النظر من ثقب الباب.

في الجهة الخلفية - بعد أن تأكد الرجل من إحكامه لغلق الباب - تصبب عرقا و هو يحاول دفع قطعة خشبية صلدة خلف الباب ليصعد عليها.

وضع الرجل الطويل عينه أمام الثقب فلم يتبيّن شيئاً سوى سحابة بيضاء تتخللها خيوط حمراء و مياه.....

استغرب مما يرى، لكنه لم يرفع عينه إلا عندما رمش الرجل القصير، اطمأن باله، عدّل قفاه بثقة و قفل مبتعداً باحثا عن أبواب أخرى.

********

الرجل القصير يسير بخطى مسرعة مضطربة على غير هدى، كلما غذّ السير كان يحس بأشعة شمس آب تخترق مؤخرة جمجمته فازداد طعم عرقه المنساب إلى فمه ملوحة.

الرجل الطويل كان يسير في الأمام بخطى بطيئة واثقة تناسب هيبته و مظلته الصّغيرة البيضاء، و على مسافة كافية تحجبه عن أعين الرجل القصير.

بعد جهد ليس بقليل و زمن، استطاع أن يرى قفاز زميله، اختلط عرق الخوف بعرق التعب إذ خشي أن يمنعه من السير بمحاذاته و اتقاء حر الشمس بمظلته البيضاء الجميلة.

فجأة، كما يهبط الوحي على الأنبياء، لمعت في ذهنه فكرة نفّذها على الفور قبل أن يشعر به الرجل الطويل: تراجع للخلف، أخذ موقع الثبات و انطلق بقوة للأمام و قد انفرجت أساريره إذ استطاع بجهده و حيلته الذكيّة من الاستظلال بظلّ مظلة الرجل الطويل.

2017.08.19

---------------

(*) نواف نافع: كاتب أردني

(**)اللوحة للفنان العراقي بلاسم محمد

http://maysaloon.news/