24 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

نواف نافع

السهل الممتنع في تفسيرالصمود اليمني

نواف نافع(*)

لست بحاجة لأن تكون محللا عسكريّا، ولا للرمل ضاربا لتدرك أن الحرب على اليمن بدأت في تعز ومأرب وتوقفت هناك، وفيما كان البعض يلاحق الأحداث ويتوهم أن دخول صنعاء بات على مرمى حجر، كانت اللجان الشعبية والجيش اليمني يتجهان شمالاً صوب أراضي مملكة آل سعود دون خشية من العدوان الذي استخدمت فيه أكثر الأسلحة الأمريكية تطورا وكافة أصناف المرتزقة القديم منها والمستحدث ...من بلاك ووتر إلى جيوش دول امتدت من السودان إلى السعودية والإمارات و قبلها قطر، وقصف جوي مدمر شاركت فيه الطائرات من شتى المنابت والفروع.

فكيف يستطيع بلد - أي بلد- أن يصمد في وجه حرب دولية دون أي دعم خارجي؟ (دعك من سماجة من يدعي وجود تدخل أو مساعدة إيرانية) وكيف يستطيع شعب، أي شعب، أن يحول الحرب عليه إلى حرب له في ظل أقذر حصار اقتصادي شامل لحد الجوع ؟ وكيف إذا كان هذا البلد يقف أصلا على حد الجوع؟ وربما يكون الأمر أن ما سبق - على عكس ما قد يذهب إليه المحلل - هو سبب الصمود. فأي غرق في الحدث الآني والابتعاد عن دراسة الواقع الاجتماعي في جدليته لا يمكن أن يفسر تحول العين إلى مخرز، فاليمن يمتاز عن معظم الدول العربية بعدم نشوء برجوازية كومبرادورية أو حتى طفيلية – ناهيك عن الصناعية – مرتبطة بالمركز الرأسمالي. فاليمن ينقسم أفقيا إلى شريحتين لا ثالث لهما: أولاهما شريحة محدودة العدد من شيوخ القبائل و كبار رجال الدولة المنتفعين بحسب المرحلة، إلى جانب أغلبية ساحقة من الفلاحين والصيادين والإجراء والعاطلين عن العمل وكلهم بالكاد قادرين على الاستمرار في الحياة. وفيما كانت تلك (القلة) تكتسب جزءاً من ثرواتها من السرقة المباشرة للثروة المحدودة (النفط على سبيل المثال) فان الجزء الأهم من الثروة وبالتالي الدّور - وبالعكس - كان يأتي من الرشوة المباشرة من السعودية وبعض دول الخليج. حيث كانت هذه الأموال تقدّم مقابل بقاء اليمن على حاله والهيمنة السعودية على حالها، وقد ترتب عن هذا الوضع أن غدت هزيمة شيخ ما تعني قلبا للمعادلة على صعيد منطقة جغرافية صغيرة أو واسعة، وهو ما حدث مع علي محسن الأحمر، وحميد الأحمر الذي كان مع قسم من آل الأحمر يشكلون الحاضن القبلي للإخوان المسلمين رغم كونهم على المذهب الزيدي، مما ينفي من الصراع صفته المذهبية التي يحاولون إلصاقها به.

وإضافة لغياب الطبقة المرتبطة والتابعة عضويا للمركز الرأسمالي غاب أيضا أي دور للشرائح الوسطى أو ما أطلق عليه تعبير البرجوازية الصغيرة، فخلافا للدول العربية الأخرى كمصر والعراق وبلاد الشام والمغرب العربي فان هذه الشرائح لم تتشكل أصلا، حيث بقيت حتى الفئات المتعلمة المحدودة من أطباء و مهندسين و مدرسين..الخ واقعة ضمن الأغلبية الساحقة من الفقراء و لم يتم جذبها لخدمة الشريحة الوحيدة المتنفذة، فهذه الأخيرة ذات الطابع القبلي ليست بحاجة لوسيط بينها وبين رعيتها، والأمر نفسه ينطبق على المثقفين. وهنا يمكن فهم دور مدينة تعز والصراع فيها وعليها، فان هذه المدينة امتازت -إلى حدّ ما- بنسبة تعليم فاقت جميع الحواضر اليمنية بما في ذلك العاصمة صنعاء، ولذا وجدت القيادة التنظيرية للإخوان المسلمين والحزب الناصري و -بدرجة اقل- الحزب الاشتراكي اليمني أرضيّة خصبة لها في هذه المدينة، فنتيجة الإحباط الشديد للمثقفين والمتعلمين من الوصول إلى موقع ما في مراكز السلطة في ظل وضع تكمن قوته ببساطته وانغلاقه على مكوناته، لجأ معظم هؤلاء – في بحثهم عن الحلول الفردية – إلى أحزاب (المعارضة)، ومع اشتداد الصراع لم يجد البعض منهم غضاضة في الانتقال من موقع المعارضة للنظام إلى حضن الراعي والراشي السعودي، وخصوصا وقد سبقهم إلى ذلك –جزءٌ كبير من قياداتهم التي بدأت ودأبت السعودية على شرائها منذ الحرب الأهلية عام 1994 باعتبارهم شيوخا جدداً لا بدّ من كسبهم.

وفيما كان أنصار الله يتمدّدون سلميّاً – قبل بدء العدوان السعودي على اليمن- كتعبير مخلص عن مصالح الفقراء والمسحوقين وخاصّةً الريف وبتوجه ديني محافظ يتناسب مع طبيعة المجتمع اليمني كان الشيوخ بما في ذلك شيوخ الأحزاب يفقدون دورهم الضامن لاستمرار الهيمنة السعودية مما اضطر السعوديّة للتدخل المباشر. بدأت الحرب و استطاعت الأغلبية السّاحقة من المسحوقين تحقيق هذا الصمود الأسطوري وقد وجدوا تنظيما يوجههم وليس هناك ما يخسرونه في مواجهة عدوان أمريكي/صهيوني سعودي/إماراتي وجيوش من المرتزقة ومعهم – لظرف تاريخي سياسي وليس اجتماعي- جزء من أبناء الجنوب اليمني وقلة من اليمنيين يضمون فيما يضمون قيادات أحزاب مرتزقة وشرائح لا تجد أملا في الحصول على مكاسب فرديّة في ظل حراك شعاره الدفاع عن الفقراء والمستضعفين، وجاء تحالف الجيش مع أنصار الله في وجه العدوان ليزيدهم صموداً وقوّة، أما سرّ هذا التحالف فموضوع آخر.

عمان/2017.05.09

------------------

(*) نواف نافع: كاتب أردني.

http://maysaloon.news/